top of page
  • سياق

تشكيل: الإبل بساط الريح الأبدي



نوف السماري

تشكيلية سعودية


تُمثل الإبل مصدر اعتزاز عند العرب على مر العصور التاريخية، وكانت المفاخرة بامتلاكها من أبرز طباعهم تجاه تلك العلاقة مع الإبل، كما كانت ثقتهم بها نابعة من كونها الحيوان الذي يشركونه في كثير من تفاصيل حياتهم اليومية وكأنما هو بساط الريح والزاد والرفيق والشاهد والدليل، الأمر الذي تؤكده مجموعة مـن النقوش الأثرية المكتشفة في عدد من المواقع التاريخية كدلالة على أهمية الإبل وارتباطها العميق بجل الحضارات التي استوطنت  شبه الجزيرة العربية على مر العصور. ويأتي تصور الإبل في خيالات النقوش وقصصها فيما يسمى بالفن الصخري لدينا، وهو فن منتشر على جبال شبه الجزيرة بصورة سردية ويعدّ نوعا من  التعبير عن المواقف والآراء والذكريات، كأن يرسم أحدهم نقشًا صخريًا لبعير كبير على أحد الجبال مدونًا أدناه اسم "جمل عمر" باللغة الثمودية ورموزها، وكأنما يصف ما يملكه ذلك الشخص من ثروة، وتمتد تلك الرسومات بصورة كبيرة على صفحات جبال حائل والعلا والجوف وجازان بصفتها متتاليات كبيرة من النقوش المتنوعة المختلفة في زمنها، وشكلت صور الإبل جزءًا كبيرًا من ذلك، لما تحظى به من مكانة مميزة في تاريخ وتراث العرب حتى وقتنا الحالي، كما ذُكرت في مواضع عديدة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتُعطي دلالة واضحة على مكانتها، إضافةً إلى تدوينها في كتب الأدب والشعر.





كان الثموديون لا يعبرون منطقة دون أن ينقشوا جبالها بجُلّ القصص والرسائل التي كانوا يسردونها، ولعل أشهر مدينة لذلك النوع من الفنون لدينا هي مدينة جبة في حائل، حيث يوجد فيها نحو ١٢ ألف نقش حجري، وأغلب ما دُوِّن كان يحمل دائمًا الإبل بين طيات أشكاله ومعانيه.

وقد استنتج المؤرخون من نقوش الثموديين ورسومهم معرفتهم بالكتابة والقراءة، وأنّ منهم من احترف مهنة الكتابة بخط المسند (خط البادية)، وتبين من تلك الرسومات الصخرية أيضا أنهم جمعوا بين عمل التجارة والزراعة واشتهروا بزراعة النخيل والعنب والورد، وصوّرت نقوشهم كذلكرجالًا ذوي قامة عادية يلبسون إزارًا وحزامًا بالوسط ورأس مكشوف بشعر قصير، أما النساء فكانت بشعور طويلة وهن من يعملن في الحقول ويجلبن الماء ويلبسن أزياء طويلة وخُمرًا ويتزيّن بالحلي والأساور، وبدت غالب نقوشهم كأنها كتابة في المناسبات الشخصية والمذكرات القصيرة التي تعكس نمط حياتهم وهمومهم وانشغالاتهم .




 

ويُعد الوسيط الفني لهذا النوع من الفنون هو الصخر المحفور نقشًا في شبه الجزيرة العربية وبالحفر على وجوه الجبال مما أُطلق عليه حاليًا "الفن الصخري"؛ حيث يجلب لنا قصصًا من قرون أقوام الأولين حتى اليوم. والرسوم الصخرية هي ما تركه الإنسان القديم في مرحلة ما قبل تعلم الكتابة بلغتها الحالية، وتأتي تصاوير فنية بالحفر أو النقر على الصخور ليرسم أشكالًا آدمية وحيوانية، وتكمن أهمية هذه الرسومات في أنها تُعدّ مصدرًا لتاريخ البشر والمكان.

ومن تعدد استخدام الإبل وتوثيقه رسمًا، استخدام الآشوريين الإبل كنوع من العتاد في حملاتهم العسكرية، وكانت الإبل أكثر فائدة من الحمير لكونها تحمل خمسة أضعاف الحمولة وتتطلب سقاية أقل. أما العرب فقد صوروا حروبهم على النحت الصخري في مواقع عديدة، ومن بين تلك النقوش تبرز أزياؤهم وأرديتهم البسيطة وكشفهم لرؤوسهم وركوبهم للإبل.   







نقش يصور خَيالة آشوريين يُطاردون راكبي الجمال، من مدينة كالحو، عَهد «تغلث فلاسر الثالث»، 728 قبل الميلاد، ويوجد النقش حاليًا في المتحف البريطاني.


  ويظهر هذا الحضور الكثيف لتصويرات الإبل في العديد من الثقافات أيضًا، ففي الهند على سبيل المثال وتحديدًا في إقليم راجستان، نجد علاقة الجمل الخاصة بالبشر في الأساطير الهندية متجذرة في أهميتها الثقافية والدينية، فضلًا عن استخداماته العملية في المجتمع الهندي، ويُعدّ الجمل رمزًا للقوة والتحمل والصلابة، ويحظى باحترام كبير من السكان المحليين.


اللافت في الأمر أن لديهم أكبر سوق للجمال في بلدة بوشكار، حيث يُباع ويُشترى أكثر من 50000 جمل بعد استعراض أشكالها ومميزاتها وتمتلئ المساحة الشاسعة من الرمال الجافة لأرض المعرض بآلاف الإبل المزينة بزخارف ملونة مرتديةً سروجًا ملونة التطريز مرصعة بالمرايا ونسيج خاص بثقافتهم.





كما اتضح  ذلك أيضًا من خلال رسوم "الفاد" التي رُسمت باستخدام الألوان الطبيعية والذهب الياباني على قماش مصنوع يدويًا، وتُعرف تلك اللوحات بروايتها الدينية والأسطورية في بلاد الهند، حيث تُسلط الضوء على حياة الآلهة الشعبية وأفعالها الشجاعة، وأُسست لوحات فاد في شاهبورا في منطقة بهيلوارا في راجاستان منذ أكثر من 7 قرون، إذ يُعدّ أفراد عائلة جوشي المبدعين الأساسيين الذين يحفظون هذا النوع من الفن الشعبي عبر أجيالهم.






ومن أحد فناني فن الفاد الهندي أخيرًا هو "شري لال جوشي" وقد توفي سنة 2018م، كان من طائفة تشيبا، وينتمي "شري" إلى عائلة معروفة على نطاق واسع بكثرة الفنانين التقليديين والمؤسسين لرسم الفاد في القرون القليلة الماضية، وقد بدأ والده رامشاندرا جوشي بممارسة هذا الفن التقليدي في سن الثالثة عشرة، واكتشف العديد من التقنيات الجديدة ورسم الجداريات الملونة وحصل على الجائزة الوطنية لرسوماته الجدارية، كما شارك في العديد من المعارض المختلفة في اليابان وأستراليا وأكثر من ولاية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعرض أهم أعماله حاليًا في المتحف الوطني في نيودلهي.

 

ولطالما كانت صورة الإبل لدينا رمزًا للخير والعطاء والوفاء والثراء، وفي خلقها كان الإعجاز حين قال الله تعالى في سورة الغاشية: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ﴿١٧﴾)، بناؤها عظيم وطباعها ذكية وفهمها لصاحبها من إيقاع صوته وشكله وتفاصيل مشاعره، إنها كائن يستحق الاحتفاء بالفن تقديرًا لعظمة وجودها على مر العصور في رحلة الأرض.





أحدث منشورات

مقدمة العدد ١٥: الإبل، موروثنا وثروتنا

= "كان العربيّ يبكي ناقته إن ماتت، وكانت هي كذلك تبكيه إن مات ولربما لحقت به حزنا عليه"، هذه ليست أسطورة، أو مقطع من رواية خيالية، إنها حقيقة عاش تفاصيل حكايتها الإنسان العربي منذ آلاف السنين مع إبله،

留言


bottom of page