top of page
  • سياق

مراجعة كتاب - الصوفية في الرواية العربية المعاصرة لــ زياد المرصفي

Sufism in the Contemporary Arabic Novel, by Ziad Elmarsafy, Edinburgh University Press, 2012, 256 pages

سمر بنت صالح المزيد*


يُقدم أستاذ الأدب والنقد في جامعة يورك د. زياد المرصفي كتاب الصوفية في الرواية العربية المعاصرة المنشور عام 2012 ضمن سلسلة مشروع جامعة إدنبره للنشر المُختص بدراسة الأدب العربي الحديث. قدَّم الآستاذ الدكتور رشيد العناني -محرّر السلسلة- هذا الكتاب بإشارة إلى أهمية الفكر الصوفي وتأثيره على الأدب العربي شعراً ومسرحيةً وروايةً، ابتداءً من رواية (زينب) لهيكل، وأكدَّ العناني على أثر الصوفية على مُعظم الروائيين العرب باختلاف أساليبهم الأدبية؛ لارتباطها الوثيق بالفكر الجمعي وثقافة المجتمع العربي، ولهذا يتعجب العناني من قِلة اهتمام الدارسين والباحثين بدراسة العوامل الصوفية في الرواية العربية وعلاقاتها التناصية ومقارتنها بالنظريات والمبادئ العالمية الحديثة، وهذا ما يزيد من قيمة كتاب المرصفي ويصنفه كدراسة مرجعية ثرية في هذا المجال النقدي المهم.


يصف المرصفي في مقدمة الكتاب دراسته بأنها تفكيكية، وتسعى إلى استعراض طريقة وهدف استخدام الأفكار والثيمات الصوفية في الرواية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ يرى بأن هذه الفترة شهدت استخدام عددٍ من الروائيين العرب البارزين اللغة والفكر الصوفي طريقة وأسلوباً لتعزيز بناء أعمالهم الأدبية في المقام الأول، ثم وسيلة للتشكيك في حدود النفس وعلاقتها بالمجتمع والعمل الإبداعي. ويرى المرصفي بأن اللافت للنظر ليس فقط الاستخدام المتكرر للشخصيات الصوفية -كالدراويش، والطلاب، والأولياء- وللثيمات والأفكار الصوفية، بل كثرة ذكر العديد من الشخصيات الصوفية البارزة وتكرار حضورها في النصوص الأدبية -كالحلَّاج, وابن العربي، وأبي القاسم القشيري- وهو ما يدعو إلى الدراسة والتحليل. ويُوضّح المرصفي أن اختياره لمجموعة معينة من الروايات العربية لدراستها وتحليلها في هذا الكتاب يعود إلى وجود علاقات تناصية بينها وبين الفكر الصوفي من جهة ومع بعضها من جهة أخرى، ساعياً إلى فحص تأثرها وتأثيرها في مجتمعاتها، إذ يرى بأن توجه أدب مابعد فترة الحرب، خصوصاً بعد عام 1980م نحو الفكر الصوفي يشير إلى محاولة لتوظيف الفردانية ولإعادة تعريفها، وهي التي تُحاول أن تتهرب من عقائد القيود المؤسسية الدينية والسياسية. غير أن هذا لايعني أن الفردانية هي مصطلح أو مبدأ لاإسلامي، بل على النقيض، فالإسلام حفظ للفرد كرامته وفردانيته، ولكن هذه الكرامة والفردانية تتعرض إلى هجمات عدائية متتابعة في فترة مابعد الحرب، وهي محاصرة بين جهاز أمن دولة قمعي بشكل متزايد، وحالة الحرب الدائمة، والتفاوت المدني والاقتصادي المستمر والمتزايد.


ويشرح المرصفي المخاطرة الكبرى التي تربط بين بقاء تلك الذات الفردية وتعزيزها وعملية الكتابة، وأن هذا البقاء المُعرَّض للخطر موجود بطريقة متكررة في الروايات المطروحة في هذه الدراسة إذ يُوظّف الأدب للهروب من القيود الصارمة للرقابة. ولهذا أصبحت الرواية وسيلة للتعبير عن بعض القضايا التي لا يمكن التعبير عنها بحرية في المجال العام، وأصبحت الأفكار والأصوات الصوفية -التي صارت متكررة في روايات مابعد 1980م- تشهد على ذات فردية مُحاصرة محلياً ومراقبة دولياً في هذه المرحلة التاريخية التي شَهدت انهيار كل الأيدلوجيات -وطنية، اجتماعية، الوحدة العربية، شيوعية، علمانية، ليبرالية، ليبرالية جديدة- في مقابل بروز قوى ردة الفعل التي تَشهد أيضاً تجاهل العالم لأشخاص وقضايا تركوا وحدهم لمواجهة أقدارهم، ولمواجهة الاستغلال والظلم والاعتداء على حقوقهم. كما يصف المرصفي هذه الفترة بأنها نهاية لكل الإصلاحات التي بُنيت ببطء في النصف الأول من القرن العشرين حين كانت الأمور السيئة مستتبة إلى حد ما، قبل أن يأتي النصف الثاني بمُفاجآته السياسية التي غيَّرت خارطة الوطن العربي، وغيَّرت المشهد والفكر العربي وطموحاته وحاضره ورؤيته للمستقبل. ولهذا فهو لايستغرب ظهور الصوفية بل يرى بأنها ينبغى أن تكون أكثر انتشاراً حيث نحتاج لظهور الأولياء لنشر أفكارهم الروحانية والاجتماعية لتخفيف أعباء الحياة وسط فوضى التاريخ.


ويستند المرصفي في دراسته إلى بعض المصادر الأجنبية، كدراسة ميشيل دي سارتو عن الروحانية في أوروبا المعاصرة، حين حدد العلاقة بين نشأة الروحانية وزيادتها في النظام الثقافي والأدبي بزيادة البؤس والمأساة المحيطة بوصفها علاقة طردية، فكُلما زادت حالات العوز والحاجة زاد ظهور الأولياء الذين يطلبون الشفاعة للمضطهدين في العالم، ودراسة المستشرق الفرنسي لويس ماسينون عن الحلَّاج التي تفترض أن ظهور اللحظة الصوفية البطولية بوصفها حلاً للصراعات الاجتماعية، وبأن هناك محوراً اجتماعياً للحياة البطولية للقديس أو الولي الصوفي، إذ أن مهمة القديس هي أن يستخدم التاريخ لتخفيف معاناة العالم، وهي الدراسة المستندة على دراسة الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين التي تؤكد الحاجة إلى الروحانية في انتقاد الحداثة وبأنها ظهرت عندما شعر الفرد بخذلان العلم والتقدم. يستعين المرصفي بهذه الدراسات ليؤكد بأن التوجه إلى الصوفية هو محاولة لنقد الحداثة، فهو نتيجة حتميّة للإحساس بالتجاهل الذي يغمر الروائي والعالم المحيط به، وهو عالم لايمكن لا العلم، ولا التقدم، ولا الثورة أن يحسنوا أوضاعه, فأصبحت الصوفية هي الوسيلة.


ومن هنا يستنتج المرصفي بأن التوجه إلى الصوفية هو طريقة مجدية لتحليل الحاضر دون تجاهل الماضي، وهذا ما يساعد على تعزيز بقاء الفردانية تحت الحصار في أوقات الأزمات. وهو ما سعى إلى مناقشته في هذا الكتاب؛ إذ يرى أن الثيمات والموضوعات التقليدية الصوفية بين الذات، والآخر، والتاريخ، والكتابة سمحت ببروز تأملات عميقة عبر الفردانية، والبقاء، والعطاء، وكتابة السيرة الذاتية، وكتابة الرواية على وجه أخص، والتي تناقش أفكاراً عن العالم وقابليته للعيش فيه. ولذلك فهو يحاول أن يشرح كيف وجد الأُدباء العرب المعاصرون في كتابات الصوفيين من العصور الوسطى إمكانات لغوية وفكرية سعوا إلى توظيفها في كتاباتهم. ويُنوه بأن هذا التوظيف لا يشمل الأدباء المذكورين في الدراسة فحسب بل يتجاوزهم إلى العديد من الكُتاب العرب وغير العرب ممن تأثروا بالفكر والأدب الصوفي كسلمان رشدي, ودوريس ليسنق, وفيلب ديك، إذ أن الأدب الصوفي كان دوماً يتجاوز حدود تعبير اللغة؛ لكونه نتيجة لحالة روحانية عميقة وليس نتيجة تركيب فني وبناء بلاغي فحسب. وهذه الخاصية تبدو جَليّة في أعمال الأدباء المُختارين في هذه الدراسة؛ إذ يؤكد المرصفي بأن الصوفية قد مكّنت أسلوبهم اللغوي وأسهمت في البناء الفني لأعمالهم. ويشير إلى أن الصوفية سبقت الأدب بالتطرق والتعامل مع موضوعات أصبحت من أهم الثيمات الأدبية في العصر الحديث، مثل حدود العلاقة بين الإنسان والإله، والعلاقة بين الذات والعالم، والعلاقة بين الذات والآخر، وهي المرتبطة بعملية الكتابة التي تقوم في الأساس على تنازل الذات عن السُلطة بإعطائها للآخر وذلك بِخَلق الذات لمساحة تسمح للآخر بدخولها وسكنها والتحدث من خلالها. وهذه العملية هي التي جعلت المرصفي يستخدم النظرية التفكيكية والمنهج الصوفي لتساعده في تحليل الأعمال المختارة.


يجدر الذكر بأن فصول الكتاب ليست مرتبة بطريقة تسلسلية بل حسب الموضوعات الأساسية للدراسة، وعلاقة الأفكار بين الأدباء ونصوصهم عِوضاً عن أي ترتيب زمني معين. ويقع الكتاب في 260 صفحة تشتمل على أكثر من 90 صفحة مخصصة للملاحظات والمراجع التي تزيد من قيمة الدراسة وأهميتها للباحثين في هذا المجال.


نجد في مقدمة الكتاب تحليل الفكر الصوفي في روايتي الكاتب المصري يحيى حقي اللتين يراهما المرصفي مناسبتين كمقدمة للدراسة، لتوضيحهما لعلاقة الأدب بالصوفية، وطرح فكرة الذات المعاصرة وعلاقتها بالعقلانية ووجودها في تقاطع الإنسان مع الإله من جهة، والشرقي (المصري) والحضارة الغربية (الإنجليزية) من جهة أخرى. ينتقل المرصفي بعدها إلى أعمال الكاتب المصري عبدالحكيم قاسم التي يراها تُقدّم واقعاً مختلفاً بعرضها للتصادم بين الروحانية والسياسة، ورؤيتها للصوفية كأمر عَفى عليه الزمن تحت وطأة تاريخ مصر في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي؛ ما يعزوه المرصفي إلى مناصرة الكاتب لسياسة عبدالناصر آنذاك، ونرى في الفصول التالية أن الصوفية والسياسة متداخلتان ومتواجدتان دوماً في واقع المجتمع المصري، كما يتمثّل في أعمال محفوظ والغيطاني . ولهذا نرى في الفصل الأول- بصفحاته الكثيرة- تحليلاً لأدب نجيب محفوظ الذي يعدّه المرصفي ذا باع طويل مع الصوفية، وبأن طرحه الدؤوب للتساؤلات التي تربط العدالة بالمعرفة والفن يجعله من أهم الأدباء الذين حاولوا فحص العلاقة بين الصوفية والإبداع الأدبي. ويستعرض المؤلف مجموعة من رواياته ليوضّح تكرار استخدامه الرمزي لشخصية صوفية، وذلك لتعزيز القيمة المطلقة لحياة الفرد في المجتمع، وغالباً ماتكون هذه الشخصية محورية وقد تكون لكاتب أو فنان يتحول تدريجياً إلى الصوفية بمحاولته لإستعادة ذاته المفقودة خلال الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. ثم يتناول المرصفي في الفصل الثاني بعض أعمال الروائي السوداني الطيب صالح التي تسرد تاريخ السودان المعاصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالتركيز على حياة القرى، وصراع الهوية، والتطور الوطني، والروحانية الصوفية. فيراه المرصفي بالمنتصف بين قاسم ومحفوظ، فهو يشابه قاسم بربط الصوفية بحياة البسطاء في القرى، ويشبه محفوظ بتفهمه للأهمية الأخلاقية لتقبل الآخر -بشري وإلهي- كقوة محفزة في الحياة الجماعية. ثم ينتقل الفصل الثالث إلى تونس وكاتبها الكبير محمود المسعدي الذي يستخدم العديد من الثيمات الصوفية كالرحلة، والرغبة، والفناء، والبقاء، والأبدية لطرح تساؤلات حول الأبدية وعلاقتها بالذات المقدسة التي أنتجها خطاب العلم والعقلانية. وهو ما يراه المرصفي تمهيداً لمناقشة أفكار الغيطاني والكوني اللاحقة، إذ يأتي الفصل الرابع ليناقش ثلاث روايات بارزة لجمال الغيطاني يراها المرصفي مليئة بالإشارات الصوفية لابن الرومي، والجنيد، والحلاج، والجيلاني, كما يرى في (التجليات) توظيفاً للغة ابن العربي وأسلوبه، وبشكل أخص في سرد التاريخ السياسي لمصر كما عاصره الغيطاني ووالده باستخدام الصوفية كغطاء لتناول موضوعات قد تثير إستياء السلطات آنذاك، مثل القوة الحاكمة، التغيرات السياسية، الرثاء، والكتابة، والمقاومة، والبقاء، من خلال ربطها بالفردانية والرحلة الروحانية. وينتقل بعدهاا لمرصفي في الفصل الخامس لليبيا وروايات مختارة لإبراهيم الكوني الذي يراه مغايراً للغيطاني بتركيزه على علاقة الذات بالفناء بمعناه الحرفي والمجازي وليس البقاء، وبإيمانه بأن الموت هو بداية الحياة حيث استخدم اللغة والفكر الصوفي ليجد منطقة وسطا بين قوانين الصحراء، وقوانين الرب والتوحيد، وقوانين الإنسانية والحرية ووحدة الوجود. أما الفصل السادس فيناقش أعمال الجزائري الطاهر وطار التي تتناول العلاقة بين الصوفية، والتاريخ، وعملية الكتابة، وخصوصاً في ثلاثيته التي استخدم فيها شخصية الولي الصوفي الذي يبحث في سؤال (من نحن؟) عوضاً عن (من المسؤول؟) خلال فترة أهوال الحروب الأهلية في الجزائر. ويختار المرصفي أن يختم دراسته بفصل موجز يتطرق فيه لبعض روايات المصري بهاء طاهر الذي يرى بأنه يميل إلى الروحانية أكثر من الصوفية في طرحه للصراع بين الدنيوي والأخروي (أو اللادنيوي) وهذا مايجعله شبيهاً بالأدباء السابق ذكرهم من ناحية استخدامه لما هو لادنيوي كهروب من الزمن والتاريخ والفناء.


يختم المرصفي دراسته باستخدام أعمال طاهر لتشهد على استمرارية وجود المثالية (المذهب المثالي) واستخدام الروحانية والصوفية لمقاومة الاضطرابات التاريخية السياسية في قلب الرواية العربية المعاصرة، بالإضافة لاستخدامها لدعم ديناميكية العملية الروائية؛ فطالما وُجد أدباء سيظل هناك استخدام للتعبير عن الذات الفردية في الكتابة، ولهذا ستظل الصوفية مؤثرة ومثرية لهذه التجربة الكتابية التي تربطهم بالبقاء والأبدية. وينوه الكاتب بأن استخدام الصوفية في الرواية العربية -بجميع أنواعها خصوصاً الواقعية- هو أكثر من مجرد ردة فعل على مقاومة الظلم والفساد؛ إذ يناقش قضايا إنسانية عديدة وتساؤلات عن الحب، والرغبة، والأخلاق، والكرم، والبقاء، والفناء، وهي التساؤلات التي أثرت وشكلت العديد من الموضوعات في الأدب العربي، وهو مايزيد من أهميتها وقيمتها للبحث والدراسة. وفي الختام، تجدر الإشارة إلى اختيار المرصفي لأدباء عرب من الشمال الأفريقي فقط وهو ماقد يشجع على القيام بدراسات مشابهة لنصوص الأدباء العرب في الخليج والشام وكذلك الكاتبات العربيات الإناث وتأثير الصوفية على أعمالهم الأدبية.


*عضو هيئة تدريس في جامعة الأميرة نوره، حاصلة على الزمالة للتعليم والتعلم في التعليم العالي، ماجستير أدب إنجليزي من جامعة الملك سعود، متخصصة بالأدب المقارن وفن الرواية ومهتمة بالنظريات النقدية مثل الطوباوية والمعرفية والتحليلية النفسية والمابعد كولونيالية.


 

هيئة التحرير

رئيس التحرير

د. إبراهيم الفريح

مديرة التحرير

أ. سمر المزيد

أعضاء هيئة التحرير

د. إبراهيم المرحبي | د. رانية العرضاوي | د. سماهر الضامن | أ. د. علاء الغامدي

الهيئة الاستشارية

أ. د. سعد البازعي |  د. هيفاء الفيصل | د. حاتم الزهراني | د. أحمد العطوي 

تصميم ودعم تقني

أ. إبراهيم الثاني


للتواصل والمساهمة في النشرة

syaq@scl.sa







٩٩ مشاهدة

Comentários


bottom of page