top of page
  • سياق

مقدمة العدد ١٥: الإبل، موروثنا وثروتنا

=


"كان العربيّ يبكي ناقته إن ماتت، وكانت هي كذلك تبكيه إن مات ولربما لحقت به حزنا عليه"، هذه ليست أسطورة، أو مقطع من رواية خيالية، إنها حقيقة عاش تفاصيل حكايتها الإنسان العربي منذ آلاف السنين مع إبله، والعجيب أنّ هذه الحكاية لم تنتهِ حتى اليوم، بل وامتدت إلى العالم كله، لتعلن عظمة حكاية الإنسان والإبل. لهذا السبب وغيره من أسباب كثيرة أخرى، جاء العام 2024 ليكون عام الإبل بالمملكة العربية السعودية، وهو ما شرع أمام البصائر فرصة مواتية لإعادة قراءة سردية الإبل في الثقافة العربية، ووجودها الضارب في جذور التاريخ الإنساني، وهو ما أعطى سياق فرصة لأن تفرد عددها هذا بأحاديث القرى والحواضر والبوادي والزمن عن الإبل.


إذ لم تسكن حركة الإبل في التاريخ قطّ، فهي المخلوق الذي رافق رحلة الإنسان، وشهد انكساراته وانتصاراته، وأوحى إليه -وهو المخلوق غير الطيني، المنسوب إلى عالم الجن والقدرة الخارقة في تحمله وصبره وطباعه- بأسئلة الوجود، وتقصّي أسباب الحياة مهما شقّت وديانها، ومهما تبعثرت رمالها. إنها صُحبة جعلت من نظرة الإنسان للناقة نظرة تحمل ملامح صورة كونية عجيبة، تنطلق من حُنوّها عليه واشتياقها إلى رفقته، وحدائها الذي يصدح مدوزَنًا مع حداء صاحبها الذي يغريها بطول المسير، ويقف عند غضبها وغيرتها التي قد تفقدها الاتزان فتبطش وتفتك ثم تبكي ندما قد يسلبها روحها. وتستمر هذه الصورة لتجعل من الرفيقة الضخمة حصنا وحماية، ومركبا يحمل هودج الشرف والعناية، فتكون هي حارسة الشرف وحاملة العزّة. بل ولا تستغرب عزيزي القارئ إذا عرفت بأنّ الإبل في مرحلة من مراحل الحضارة العربية كانت تدفن مع صاحبها إذا مات، ولا تعيش بعده، اعتقادا وإيمانا بأنّ الحياة الأخرى تستدعي ارتحالا سيحتاج فيه المرء إلى راحلته المخلصة. وكم ترنّم بها الشعراء وأمعنوا في وصفها حتى جعلوها مخلوقا أسطوريا يبعد عن هويتها الحيوانية، لتكون آية العظمة وبيّنة القدرة الإلهية. بل وساهمت الإبل في تشكيل مراحل المعتقد الديني والعرف الاجتماعي والنهج السياسي والنمو الاقتصادي لدى العربي ومختلف الشعوب؛ فعلى سبيل المثال، تحمّلت الإبل وسمها ونفيها وإفرادها لمعتقد ديني بقدسيتها أو لعنتها، وحملت لاحقا الهودج المسكون بالكسوة الشريفة للكعبة المقدّسة، فكانت مخصوصة لهذه المهمة الدينية لعصور مختلفة، وهي كذلك التي أخذت على عاتقها حمل بضائع الأمم ومنتجها لتكون المعيشة بين ركابها مرهونة، وكم تمكّنت في مقاماتها المتنوعة من تأسيس سردية أصيلة في ثقافة العرب، وتعدّتها إلى ثقافة أفريقيا والهند وغير ذلك. كل هذا وهبها حضورا فريدا ساس قوّة رمزيتها الأدبية والفنية والثقافية.


وتحاول سياق هنا أن تطوّف بين حيوات الإبل المختلفة، ووجودها المتعدد في سياقات متقاطعة مع مختلف الفنون، فمن "تشكيل" الذي يطير بنا على بساط الريح ليتلمّس نقوشات الإبل المحفورة على صخور الحياة ورسوماتها الحضارية، إلى "سلالم" الذي يعرج إلى عوالم إبراهيم الكوني وإبله، ثمّ تسير بنا سياق على طريق الحرير لننصت إلى حكايا الإبل والتجارة، وتسمعنا في مقال حداء الشعر الشعبي في الإبل وسط القوافل المرتحلة. وبين ذلك وذاك تقف سياق مع "ناقة صالحة" بعين ناقدة، وتمدّ أفق النقد حتى حضور الإبل في السينما السعودية. وغير ذلك من الأبواب التي لا تفوت فرصة تناول طرف الحديث عن الإبل من مصطلح الأسطورة، ومراجعة كتاب مهتم بالإبل، ومتابعات فيها من الفائدة ما نرجوه.


ربما آن لك عزيزي القارئ وأنت تقرأ سياق هذه المرة أن تمدّ يدك إلى قدح من حليب الناقة الدافئ، وتربّت على ظهر جَملك المتخيّل، وتهمس في أذنه بما قاله الشاعر الشايع -رحمه الله-:

         وفيه رجلٍ يحل المشكلة والنشايب    كل ماحمّلوه الواجبات احتملها

          واقفٍ للزوم.. ومرتكي للنوايب      والحمول الثقيلة مالها إلا جملها


لتصحبك سياق في رحلة تقلّدت بها حمولتها الثمينة، حاديةً بجملها بلا توقف، في قافلة إبل هي ثروتنا وتراثنا.


أحدث منشورات

متابعات العدد ١٥

من أروقة النقد: مهرجان "جادة الإبل" - استضافت منطقة حائل مهرجان "جادة الإبل" بالقرية التراثية في يوم التأسيس الماضي ٢٢ فبراير ٢٠٢٤ بحضور أمير المنطقة، وتميز المهرجان باختياره للخط الثمودي، كرمز تراثي

Comments


bottom of page