top of page
  • سياق

المقال: مستقبل الأدب المقارن في الجامعات السعودية بين المسارين: التعليمي والبحثي

أ.د. أحمد صالح الطامي

أستاذ الأدب الحديث والمقارن

جامعة القصيم









     إنَّ الأدب المقارن علمٌ حديثٌ من حيث أُسسهِ العلميَّة ومدارسه ونظريَّاته؛ انطلق من جامعة السربون في فرنسا في عام: 27 /1828م على يد مؤسسه: أبيل فيلمان (Abel Veillemain). ولم ينته القرن التاسع عشر إلا وقد نضج هذا العلم من حيث أهدافه وأسسه العلمية وفق المدرسة الفرنسية التي ينسب إليها فضل السبق في تأسيسه. وفي القرن العشرين انتشر هذا العلم انتشارًا واسعًا في الجامعات الأوروبية، ثم الجامعات الأمريكية وبخاصة في الربع الأخير من القرن العشرين؛ لتنبثق مدرسة أمريكية جديدة تحمل تصورًا جديدًا ورؤية مغايرة للأدب المقارن. وعن طريق تصور هاتين المدرستين، فإن الأدب المقارن يركّز على علاقات آداب الشعوب بعضها ببعض من حيث التأثير والتأثر من ناحية (كما هو عند المدرسة الفرنسية)، وعلى التشابه الفكري والثقافي والفني فيما بينها -بغض النظر عن مسألة التأثر والتأثير- كما هو عند المدرسة الأمريكية.

     أما التجربة العربية في الأدب المقارن فهي حديثة العهد بالقياس إلى التجربة الفرنسية، حيث ظهر مصطلح الأدب المقارن في البلدان العربية متأخرًا نحو قرن أو أكثر على مولده في فرنسا. 

     ويُعدُّ الأدب المقارن تخصصًا مركزيًّا بالنسبة للدراسات الأدبية؛ لارتباطه الوثيق بمختلف العلوم الإنسانية ومستقبلها؛ لقد أثبت هذا العلم أهميته في الدراسات الأدبية من ناحية، وفي مستقبل العلوم الإنسانية من ناحية ثانية. فمجالات المعرفة والتخصصات البينية تظل دائمًا جوهر الحداثة، ومن هنا رأى بن هتشنسون Ben Hutchinson ضرورة استمرار التعليم النقدي الجمالي للأدب المقارن في الألفية الثالثة. 

     إنَّ الأدب المقارن -بما يتضمنه من عمق وشمولية في دراسة فكر الأمم وثقافاتها وآدابها ولغاتها- يُعدُّ من أهم ميادين الدراسات الأدبية والنقدية التي عرفتها الآداب العالمية،  وتتجلَّى أهميته في أنّه يكشف أسرار الأدب القومي والآداب العالمية الأخرى، ويعزز تقارب الفكر الإنساني وإثرائه عبر سَبْر هذا الفكر والنفاذ إلى أعماقه، ويوسع آفاق النقاد والدارسين للآداب القومية والعالمية، ويحدد لهم مدى "الابتكار والأصالة في الأعمال الفنية أو مدى اعتمادها على التقليد"، كما يقول د. حسام الخطيب.  والأهم من هذا وذاك أنَّه يسهم في الكشف عن هوية الأدب القومي ويُبيّن موقعه بين الآداب العالمية الأخرى.

     أما التجربة السعودية في الأدب المقارن فكانت الجامعات السعودية، عن طريق أقسام اللغة العربية فيها، الحاضن لتدريس الأدب المقارن والبحث فيه ومنطلقه. ويبدو هذا أمرًا طبيعيًّا؛ فالجامعات تظل دائمًا التربة الخصبة لازدهار العلوم والبحث العلمي.  

     ومع تطور الأدب العربي السعودي، وكثافة الإبداع السعودي شعرًا ونثرًا، وخاصة في ميدان القصة القصيرة والرواية والسيرة الذاتية، وازدياد حركة ترجمة الإبداع السعودي إلى لغات أجنبية، فإن الحاجة أصبحت ملحَّة لتكثيف الدراسات المقارنة التي تجعل من الإبداع السعودي عيَّنة الدراسة المقارنة لمعرفة مدى تفاعل أدبنا وأدبائنا مع الآداب العالمية سواء من حيث التأثر والتأثير من جهة أو من حيث الموضوعات المشتركة والهموم المشتركة بين أدبنا السعودي والآداب العالمية، وبين أدبائنا وأدباء العالم من جهة أخرى. ولتحقيق هذه الغاية، فلا بد من العناية بالأدب المقارن في الجامعات السعودية من الناحيتين التعليمية والبحثية؛ ذلك أنَّه لا يمكن لأي علم أن يتطور ويثمر ويؤثر إلا من داخل أروقة الجامعات ومراكزها البحثية. إن التعليم والبحث العلمي هما ركنان أساسيان لأي جامعة؛ وقد حظي هذان الركنان باهتمام الجامعات السعودية التي حصل معظمها على اعتمادات عالمية تجعل من تطور العملية التعليمية وكثافة البحث العلمي معيارين أساسيين لأي اعتماد أكاديمي. 

     وبالنظر إلى واقع الأدب المقارن في الجامعات السعودية، فإنه لا تكاد تخلو خطة من خطط أقسام اللغة العربية في الجامعات السعودية من مقرر للأدب المقارن؛ لكنه حضور متفاوت. فبنظرة فاحصة إلى هذا الواقع تتجلى لنا الملحوظات الآتية: 

  1. للأدب المقارن حضور في خطة مرحلة البكالوريوس فقط، أو في خطط مرحلة الدراسات العليا -خاصة الماجستير- فقط، أو في كلتيهما في الجامعة الواحدة.

  2. بعض الجامعات تقتصر المقرر إما على مرحلة البكالوريوس وإما على مرحلة الدراسات العليا وتحديدًا الماجستير.

  3. مع تغير الخطط وتجديدها يتغير موقع مقرر الأدب المقارن من إجباري في خطة إلى اختياري في خطة أخرى.

  4. في خطط الماجستير يتغير موقع المقرر من مقرر مستقل إلى مدمج مع مقررات النقد الأدبي.

  5. تتفاوت الساعات المعتمدة للمقرر من ساعتين إلى ثلاث في المرحلتين.

  6. يلاحظ في أغلب الجامعات أن الذين يدرسون المقرر غير متخصصين في الأدب المقارن وإنما يُسند تدريسه غالبًا إلى أساتذة الأدب والنقد.

     هكذا يبدو لنا واقع الأدب المقارن في الجامعات السعودية، وهو واقع يتَّسم بإيجابيات كثيرة، كما أنَّه لا يخلو من سلبيات كثيرة أيضًا. إننا نطمح إلى تأسيس أدب عربي مقارن تكون فيه بصمة الباحث والناقد السعودي واضحة، ويكون الأدب السعودي فيه محور الدراسة؛ بصمة تُمكِّننا من رؤية ثقافتنا وأدبنا ومعرفتهما أولًا، وتُمكِّننا ـثانيًاـ من رؤية الآخرين والتعرف إليهم دون خوف أو انبهار أو دونيَّة.


 ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عن طريق تطوير تدريس مقررات الأدب المقارن في مرحلة الدراسات العليا خاصة، ودعم أبحاث الدراسات الأدبية المقارنة في الإصدارات العلميَّة في الجامعات السعودية. إنَّ الجامعات السعودية، بإمكاناتها البحثية الضخمة، قادرة على النهوض بهذا الدور، وتحقيق هذا الطموح عبر تطوير المسارين التعليمي والبحثي. ففي المسار التعليمي لا بد من تحقيق الخطوات الآتية:

     أولًا: أن يكون الأدب المقارن مقررًا أساسيًّا في الخطط الدراسية في أقسام اللغة العربية في الجامعات السعودية؛ ذلك أنَّ الأدب المقارن ما يزال في بعض هذه الجامعات مقررًا اختياريًّا. 

     ثانيًا: زيادة عدد ساعات مادة الأدب المقارن في هذه الجامعات، بحيث لا تقلُّ عن أربع ساعات أسبوعية موزعة على مستويين؛ ليُتاح للطالب الاطلاع الكافي على نظريات الأدب المقارن وموضوعاته الكثيرة، وليتمكن من إجراء أبحاث جادة في هذا المضمار، خاصة في الدراسات العليا.

     ثالثًا: تحديث مناهج تدريس الأدب المقارن وتطويرها، سواء من حيث المراجع المعتمدة، أم من حيث المفردات المقررة، بحيث تتناسب والتطورات الجديدة في هذا العلم ونظرياته، وما يصدر من أبحاث ودراسات يومية يجب متابعتها، فما زالت أغلب المراجع المعتمدة في بعض الجامعات قديمة ولا تلبّي حاجة الطالب والباحث المتطلّع دائمًا إلى الجديد.

     رابعًا: ضرورة التركيز على فرعين أدبيين أساسيين لا يمكن فهم الأدب المقارن دونهما، وهما: نظرية الأدب والآداب العالمية، ولهذا يجب العناية بتدريس هذين الفرعين المجاورين للأدب المقارن في السنوات الأخيرة من المرحلة الجامعية الأولى، وفي الدراسات العليا؛ ليتسنى للطالب الاطلاع على الآداب العالمية واتجاهاتها، وفهم أبعاد الدراسات الأدبية الحديثة عامة، والأدب المقارن خاصة.

     خامسًا: وضع مسار خاص لتخصص الأدب المقارن في برامج الدراسات العليا الأدبية، ودعم هذا المسار بتحفيز الطلاب لاختيار موضوعات تخدم الأدب السعودي في الدراسات المقارنة.

سادسًا: الاهتمام بتدريس اللغات الأجنبية، فمن غيرها لا يستطيع الباحث في الأدب المقارن القيام بأبحاث تطبيقية مقارنة ناجحة وجادة. أمَّا الاعتماد على ترجمات الأعمال الأدبيـة الأجنبية -مهما كانت دقتها- فتظل غير مأمونة النتائج.

     سابعًا: دعم الابتعاث في الدراسات العليا في تخصص الأدب المقارن؛ لسد العجز في تخصص الأدب المقارن وليُسند تدريس مقررات هذا العلم إلى متخصصين فيه.


   وفي المسار البحثي، يجب تحقيق الخطوات الآتية:

     أولًا: دعم ترجمة المؤلفات والأبحاث والدراسات المستجدة في الأدب المقارن.  

     ثانيًا: إعطاء موضوعات الأدب المقارن حقها من الاهتمام في مجلات العلوم الإنسانية المحكمة التي تصدرها الجامعات السعودية.

     ثالثًا: دعم المؤتمرات والندوات الخاصة بالأدب المقارن مع التركيز على الأدب السعودي في تفاعله مع الآداب العالمية.

    وبهذا يأخذ الأدب المقارن مكانته ويخصب ويزهر ويخدم الأدب السعودي خاصة، والأدب العربي عامة، بل ويُسهم في دراسات الأدب المقارن عالميًا.



أحدث منشورات

مقدمة العدد

هيئة التحرير هو أحمدُ عَودُ سياق! تأتي نشرة سياق في موسمها الثاني بعددها الثالث عشر طارحة بين يدي القارئ "مراجعات في الأدب المقارن"؛ لتقدّم فيه كشفًا لأهم جوانب حال الأدب المقارن اليوم، مستبصرةً عن طر

Comments


bottom of page