top of page
  • سياق

صدى: روايات الغريب: تاريخ الرواية في الترجمة العربية

Stranger Fictions: A History of the Novel in Arabic Translation Rebecca C. Johnson, 2020, Cornell University Press, 288 Pages

روايات الغريب: تاريخ الرواية في الترجمة العربية

د. ريبيكا جونسون

باحثة في الأدب المقارن ومتخصصة في الأدب العربي الحديث والدراسات الثقافية.

مراجعة: د. غزال بنت محمد الحربي


        لم يكن الاتصال بالآخر الغريب عبر الأدب اتصالًا عابرًا، وإنما اتصال ثقافي يُعدُّ أعمق أنواع الاتصال الإنساني ديمومةً وتأثيرًا في تاريخ الآداب الإنسانية. ولعل من أهم الكتب المعاصرة في مجال الأدب المقارن والدراسات الأدبية التي تناولت هذا الجانب الحيوي لطبيعة الاتصال الأدبي وتأثيره الإيجابي في الآداب القومية كتاب "روايات الغريب" للبروفيسورة الأمريكية ريبيكا جونسون، حيث يركّز على تناول دور الترجمة العربية في تاريخ الرواية في عصر النهضة العربية. 

        صدر الكتاب في عام (2020) عن دار مطبعة جامعة كورنيل في نيويورك، وحظي باهتمام واسع من الوسط الأكاديمي الأمريكي، كما عُقدت له حلقات نقاش مع المؤلفة، وكُتبت عنه مراجعات في بعض المجلات العلمية المتخصصة كمجلة: Journal of Arabic Literature. ويقع الكتاب فيما يقارب 270 صفحة، وجاء في مقدمة وجزأين، يضمُّ كل جزء منها ثلاثة فصول.

       تستهلُّ المؤلفة الكتاب بمقدمة تاريخية مطوَّلة تستعرض فيها تاريخ الرواية في الترجمة العربية، والممارسات الخاطئة لهذه الترجمة، وأساليب التنظير وطبيعة تلقي الأعمال الأدبية المترجمة إلى اللغة العربية في عصر النهضة. إضافة إلى تعريفها بأبرز الترجمات والمترجمين وكتَّاب الرواية العرب في عصر النهضة، ومدى تأثُّرهم ببعض أعمال الأدب الأوروبي، مثل: رواية البؤساء. كما أن المؤلفة لم تقتصر على الوصف التاريخي لطبيعة تأثر الرواية العربية بالأدب العالمي عبر الترجمة، وإنما حاولت الكشف عن أسبقيّة الأدب العربي في هذا الاتصال والتفاعل عن طريق التأثير الكبير والممتد لحكايات ألف ليلة وليلة في الرواية الأوروبية والعالمية.

       ترى جونسون بأنه مثلما كان لحكايات ألف ليلة وليلة تأثير في التأسيس لنوع الرواية في العصر الحديث، فإنَّ الترجمة العربية للروايات الأوروبية أحدثت تأثيرًا فاعلًا في تشكيل الرواية العربية وتطويرها بوصفها جنسًا أدبيًّا حديثًا. وتوضح بأن كتابها هذا يُعيد تموضع الأدب العربي في دراسات الترجمة والبحوث الأدبية المقارنة، وينقله من الهامش إلى المركز، وذلك عن طريق دراسة وتحليل الترجمات العربية الأولى للأعمال الأوروبية، والدور الذي لعبته هذه الترجمات في التنظير للترجمة وممارساتها، ومقابلة هذا التنظير مع أبرز ما طُرح في سياق دراسات الترجمة وممارساتها عالميًا.

        يلي هذه المقدمة جزءان تحليليَّان: تناولت الكاتبة في الجزء الأول ثلاثة موضوعات كبرى، استقلَّ كل منها بفصل خاص. ركّز هذا الجزء على دور الترجمة الأدبية المتمثلة في ترجمات رواية روبنسون كروزو في الحركات التبشيرية المسيحية، كما تطرَّقت للدوافع المختلفة وراء ترجمة هذا العمل وممارسات القراءة والتجديد اللغوي وأسئلة الصحافة في عصر النهضة. توسعت جونسون بعد ذلك في طرحها فتناولت الترجمات العربية التي نُشرت في المطبوعات والدوريات لغرض التسويق وجذب القراء وتحقيق المتعة في القراءة والحث عليها عن طريق تقديم مادة مشوقة، والانتقال بالقراء إلى بيئات أجنبية مختلفة توسِّع مداركهم وتحفز المخيلة العربية بصورة عامة. 

        وتكشف المؤلفة أيضًا عن طبيعة تجاوب المثقفين العرب في العصر الحديث مع هذا النوع من الترجمات التي تحقق المتعة للقارئ بانكشاف ثقافة الآخر المختلف عبر الترجمة، وطبيعة مقاومة بعض رواد النهضة لها بحجة أنها لا تعكس البيئة العربية المحلية. وتناولت في هذا السياق مقاومة تحديث معاجم اللغة العربية عن طريق تبسيطها والدعوة إلى استعمال معجم لغوي يقترب من فهم العامة؛ لتوسِّع بذلك زوايا النظر والتحليل لمختلف العناصر والأنشطة الثقافية المؤثرة في الترجمة العربية.

       تناول الجزء الثاني من الكتاب طبيعة التفاعل مع الإنتاج الثقافي الدخيل، والدور الذي لعبه الكتَّاب والمترجمون والناشرون والقراء العرب على حد سواء في التواصل العالمي. كما يرصد الكتاب طبيعة تفاعل الأدب العربي مع الأدب العالمي، ودوافع الترجمات، والمنصات الثقافية العربية التي نُشرت فيها هذه الأعمال الأدبية، وإستراتيجيات الترجمة، وكيفية استقبالها لدى الجمهور العربي المستهدف، إذ ترى جونسون أن هذه الترجمات العربية تُعدّ اللبنة الأساسية لنهضة الرواية العربية الحديثة، وتُوضّح أن الترجمات العربية للأعمال الفرنسية والإنجليزية في عصر النهضة العربية جاءت استجابة لمساعٍ حثيثة تهدف إلى تأسيس نهضة عربية ثقافية على يد نخبة من مثقفيّ عصر النهضة، مثل: جورجي زيدان، وأحمد فارس الشدياق، وبطرس البستاني. وبعد هذا التحليل والعرض الموسَّع لطبيعة الاتصال بالآداب الأخرى، تؤكد المؤلفة على أن تلقي أدباء ومترجمي عصر النهضة للأعمال الأوروبية الأدبية وتفاعلهم معها لم يكن تفاعلًا سلبيًّا، بل كان إيجابيًّا حيث شاركوا في إعادة تشكيل النوع الروائي وإبراز دور حركات الترجمة والنقل في صياغة معالم الرواية العربية الحديثة.

       وجاءت بعد ذلك الخاتمة لتؤكد على طبيعة تأثير الترجمة في الأدب القومي العربي، وذلك عن طريق تناول تصوُّرات بعض النقاد العرب في عصر النهضة عن الرواية الأولى المكتوبة باللغة العربية، مثل: رواية "زينب" للأديب المصري محمد حسين هيكل التي عدَّها النقاد أول رواية عربية؛ بسبب تجسيدها لواقع الحياة المصرية العربية بدلًا من محاكاتها لبعض الموضوعات الأجنبية الغريبة عن واقع الحياة العربية. 

     وفي خاتمة الكتاب تعاود المؤلفة طرح التساؤل نفسه عن تأثير "رواية الغريب" أو "الرواية الدخيلة" في الفضاء الثقافي العربي في المرحلة الأولى من عصر النهضة، وتستعرض رأي جورجي زيدان في كتابه: "تاريخ آداب اللغة العربية" ووصفه للأ



دب والعلوم المترجمة في هذه الحقبة التاريخية المهمة من تاريخ نهضة العرب في العصر الحديث "بالعلوم الدخيلة"، وتشير إلى تصريح زيدان بأن مئات الآلاف من الروايات الأوروبية في القرن التاسع عشر قد تُرجمت إلى اللغة العربية، ما يعني أن الروايات الأجنبية قد احتلَّت بالفعل المجتمع الثقافي العربي وغزته، ونالت إثر ذلك انتشارًا واسعًا وحققت تفاعلًا واتصالًا إيجابيًا مع الآخر. وتستنتج المؤلفة أن تاريخ الرواية العربية هو تاريخ الترجمة المتمثل في دور المترجمين العرب في إعادة صياغة التاريخ الأدبي وكتابته، وهو تاريخ المصطلحات المترجمة في عصر الحداثة العربية، وتاريخ ممارسات الترجمة، وممارسات التلقي والقراءة للأعمال المترجمة، وهو أيضًا تاريخ الترجمات الخاطئة للمصطلحات والأشكال الأدبية التي كانت تنقل النص من اللغة الأجنبية إلى اللغة العربية وفقًا لمعجم المنظمومة الثقافية والاجتماعية وتتصرَّف فيه وفقًا لما يُلائم القيم الاجتماعية للبيئة الجديدة. وبذلك، حسب رأي المؤلفة، يقدم لنا مترجمو القرن التاسع عشر أنموذجًا لتخيّل تاريخ الترجمة ليس من الهامش، بل من المركز المترجم! إنه تاريخ لا يمثل فقط انتقال عمل من لغة إلى لغة أخرى فحسب، بل يمثّل تحولاته أيضًا.

         إن هذا العمل يضع الروايات العربية الأولى المترجمة في العصر الحديث التي ترجمها ونشرها رواد عصر النهضة العربية في إطار الأدب المقارن الذي يكشف عن طبيعة التأثُّر بآداب الشعوب الأخرى وتأثير الآداب الأجنبية في الأداب القومية للشعوب، وهو ما نتج عنه إعادة تشكيل التصوّر العالمي للراوية العربية بوصفها جزءًا من عملية التفاعل الحيوي والإيجابي مع آداب الثقافات الأخرى. 


أحدث منشورات

مقدمة العدد

هيئة التحرير هو أحمدُ عَودُ سياق! تأتي نشرة سياق في موسمها الثاني بعددها الثالث عشر طارحة بين يدي القارئ "مراجعات في الأدب المقارن"؛ لتقدّم فيه كشفًا لأهم جوانب حال الأدب المقارن اليوم، مستبصرةً عن طر

Comments


bottom of page