top of page
  • سياق

سلالم: نبلاء الصحراء


شهد الرسيني


للإبل مكانة خاصة عند سكان الصحراء، فبعضهم قد يحاولون مصادقتها، وبعضهم يعدها كنزة، لكن ما يحكيه لنا الكاتب الليبي إبراهيم الكوني المغرم بالصحراء والمفتون بها يتعدى ذلك حتمًا. ففي روايتيه "التبر"، و"ناقة الله" يروي لنا نمطًا آخر غير معهود؛ يشعر القارئ بأن الإبل تكاد تكون بشرية في إحساسها ومشاعرها، فالجمل الأبلق في رواية "التبر"، والناقة في رواية "ناقة الله"، ليسا كما يعرف عن الحيوانات عادة؛ بل هما بطلان رئيسان في الروايتين لا يختلفان عن الشخصيات الإنسانية إلا في الصمت. 

إن الإبل كما يراها أهل الصحراء أنبل الحيوانات فيها، لكن ما يدور في عوالم صحراء الكوني يثبت ذلك ويتجاوزه لحد مدهش لا يوصف. 

فأوخيد وأسيس بطلا الروايتين لديهما علاقة تتجاوز كونها فريدة مع إبليهما؛ فهما لا يريدان من دنياهما سوى هذين الرفيقين اللذين تعديا كونهما مجرد مهري أبلق وناقة؛ بل هما أكثر من خلين وفيين، إنهما أكثر من عائلة لهما 

وكعادة أهل الصحراء فكل منهما طلب لإبله قصيدة مليئة بالفخر أراد أن تذكرها الأجيال القادمة، وأن يخلد إبله النبيل أسطورة. 

فرواية "التبر" تحكي لنا عن أوخيد الذي أحب مهريه الأبلق حبًا جمًا؛ فبينهما عهد إخوة بالدماء، فقد خاض معه رحلة شاقة لشفائه بعد إصابته بالجرب، وعانى كلاهما إزاء ذلك، فأوخيد "طاف به النجوع بحثًا عن الخبراء العليميين بداء الحيوان، لم يطق أن يرى صديقه يعاني من الاضطهاد على أيدي الرعاة الأشقياء، عزلوه عن قطعان الإبل خشية العدوى، وتركوه يرتع وحيدًا في المراعي، فآثر أن يرافقه بنفسه في محنته، يذهب معه إلى المراعي منذ الفجر ولا يعود إلا في الليل". 

وكانت علاقتهما قوية للحد الذي لم يحتملا فيه فراق بعضهما حين رهن أوخيد الأبلق لدى قريب زوجته التاجر لسد جوع زوجته وابنه، فقد كان الأبلق يعود له كل ما سنحت له فرصة لم يطق أوخيد رؤية من عدّه أخاه يعاني وأراد تخليصه باستعادته، لكن التاجر دودو رفض إعادته إلا مقابل أن يطلق زوجته ويتخلى عن ابنه؛ ولأنه أحب الأبلق أكثر من كل ما في الدنيا وافق على شرطه. 

أما رواية "ناقة الله" فترينا أسيس الذي أهداه عمه ناقة فور ولادتها وقد أسماها تاملّالت التي تعني الجاموس البري في لغة الطوارق ثم تتطور علاقتهما على نحو عجيب، فأسيس الذي يرى هزال ناقته وضعفها إذ لم تستطع الوقوف على قدميها في بداية حياتها، وبدت ككومة القش التي يخدع بها الرعاة النوق لتدر الحليب؛ مما جعل أمها تنبذها وتنفر منها 

فأصبح أسيس كما يسمي نفسه أمًا لها وأبًا، فهو الذي يرضعها ويطعمها، ويحملها حيثما ذهب، ويغني لها ويهدهدها بين ذراعيه لتنام، وينام معها تحت غطاء واحد، ويرقب تنفسها الضعيف الذي ينبئ بتوقفه في أي لحظة. 

لقد أراد من كل دواخله أن تنهض وتقوى، وفي يوم استيقظ ليجدها جسدًا بلحم وعظم واقفة بملامح واضحة، وشيئًا فشيئًا أصبحت تطير بأجنحة كما يصفها؛ فهي لا تمشي على الأرض مثل بقية الإبل، وبسبب نهضتها القوية وعدوها السريع، وقوتها المفاجئة ورشاقتها المذهلة رأى من حوله أنها ممسوسة من بعض أهل الخفاء كما يسميهم أهل الصحراء، 

لقد شعر أنه أعطاها من روحه لتنهض روحها، رأى أنه شاركها روحه لذا شاركته روحها، فأصبحا جسدين بروح واحدة مشتركة، لذا عرفا الصمت لغة بينهما فهو يقول: 

"الصمت دومًا لغة؛ في الصمت دومًا تسكن اللغة الأخرى، النقية، الحقيقة." 

إن أسيس لم يعرف لتاملّالت صفة غير أنها كائن؛ فهو لم يعدها بهيمة قط، ولم يعدها بشرًا لأنها لا تنطق، وفي عينيها يرى ما لا يمكن رؤيته في ناقة؛ فهو يقول عنها: 

"تيمّم صوب الوطن المفقود بعينين مفجوعتين مليئتين بكمّ من حزن لم يعرف له مثيلًا حتى في عيون أشقى خلق الله دون أن يرفّ لها جفن، أو تطرف لها العين، تحدّق في الفراغ القاسي، العاري، اللانهائي، المهيمن ناحية الجنوب كأنه صلاة الشهيد الذي لا يملك للخلاص سبيلًا سوى الصلاة." 

إن نظرتها دائمًا موجهة نحو الجنوب؛ فهي تريد العودة لوطن يكاد يقتلها الحنين إليه، وأسيس يعرف ذلك فهو يحن أيضًا لوطنه، لكنه لا يستطيع العودة للجنوب حيث وطنه حتى تنقشع الزوبعة عن وطنه كما تزيل الصحراء كل الزوابع، لكن يبدو أن الزوبعة ستطول هذه المرة. 

إن الإبل لدى إبراهيم الكوني لها دلالات رمزية؛ فأسيس يظهر في أكثر من مشهد في الرواية وهو يقص أثر تاملّالت متتبعًا إياها في طريقها نحو الجنوب إلى الوطن؛ وكأنها حنينه إلى الوطن، كما يمثل الأبلق حرية أوخيد في تخليه عن كل ملذات الحياة من أسرة وذرية وجاه. 

أحدث منشورات

مقدمة العدد ١٥: الإبل، موروثنا وثروتنا

= "كان العربيّ يبكي ناقته إن ماتت، وكانت هي كذلك تبكيه إن مات ولربما لحقت به حزنا عليه"، هذه ليست أسطورة، أو مقطع من رواية خيالية، إنها حقيقة عاش تفاصيل حكايتها الإنسان العربي منذ آلاف السنين مع إبله،

Commentaires


bottom of page