top of page
  • سياق

صدى: الناقة بطلة: ناقة صالحة


رائد العيد 





يبدأ القارئ رواية ناقة صالحة بعتبة شعرية من القصيدة التي ألهمت الروائي الكويتي سعود السنعوسي لكتابة الرواية، وهي أبيات من قصيدة "الخلوج" للشاعر دخيل بن أسمر كتبها عام 1901م يقول فيها: 

"غيمتك شحّت.. ومالح كل موج       أعطش، ويا كويت بيرك مالحة

ومنزلك قلبي، وأنا لولا الخلوج        ما أترك دياري لديرة صالحة".

ويعقب هذه العتبة عتبة ثانية للشاعر الكويتي دخيل الخليفة، يكتب فيها مشاعر أبطال الرواية، وكأن الأبيات غير الموزونة تمرين شعري للنص السردي، وتستمر عتبات الخليفة على أبواب الرواية الخمسة كافة. 

العتبات الشعرية جاءت متسقة مع لغة الرواية الشاعرية التي ناسبت طبيعة شخصيات الرواية حيث تربطهم بالشعر علاقة قوية منذ نعومة أظفارهم، فعدد منهم يكتب الشعر، بل القصة بأكملها يحركها الشعر، فقد بدأت من قصيدة كتبها شاب رُفض تزويجه بابنة عمته التي يحبها، فهجا شيخ قبيلتها وهاجر، وخلدت القصيدة حتى غُنيت بعد ذلك. 





تحكي الرواية قصة صالحة، "بنت أبوها" الوحيدة التي تنافس عليها ابن خالها دخيل بن أسمر، وابن عمها صالح المهروس، ونزولًا عند الأعراف القبلية زُوجت بصالح بعد أول حيضة لها وعاشت معه حياة بائسة لا مشاعر فيها ولا حب، وأنجبت منه ابنًا مات مرفوسًا من الناقة الصالحة التي أحبتها حبًّا جمًّا لكن حبها للناقة لم يمنع الناقة من قتل ابنها، فانتقمت صالحة وقتلت حوار الناقة أمامها، وكأن الغضب وحب الانتقام الذي تتسم به الناقة انتقل إلى صالحة وتطبّعت به. 

هذه القصة الظاهرية تصور حكاية حب بدوية، مغلفة بحكاية علاقة الإنسان بالإبل وارتباطه بها وتأثره بأطباعها حد التماهي معها، فللإبل طباع صعبة مثل البشر، وفيّة إن أحبت، لكنها مزاجية وتضمر الإساءة في قلبها ولا تسامح من يسيء إليها. ومن هنا تحدر اسم عائلة صالحة "المهروس"، الذي جاء من هرس الناقة لأحد أجدادها بعدما أثقل عليها وآذاها فتربصت له وبركت فوقه حتى هرسته. وكأن الزمن يعيد هذه العلاقة بين ناقة صالحة وابنها لكن دون هرس، بل رفس. ومع أن الناقة التي كانت صالحة تسميها "وضحى"، كانت ألوفة مطواعة لسنوات، وكانت تنحني لها وتمسح جسد صالحة برأسها تعبيرًا عن امتنانها لها، لكنها تبقى مع ذلك "وضحى" سليلة الهارس. 

إن التصاق الإنسان بالإبل قد يُعديه بطباعه، كما تأثر صالح، ابن عم صالحة، وزوجها بعد ذلك، بحسد الجمل وقسوته، حتى في طريقة مجامعة زوجتهن بل إنه يجعل الإنسان يؤرخ حياته بحياة إبله، فكما كانت صالحة تحتفظ بتقويم حياتها ملتصقًا بحياة ناقتها وضحى، فتحفظ كذلك بأن ولادة وضحى جاءت قبل أن تداهمها حيضتها الأولى بثلاثة أحوال، وموت أم صالحة مع ولادتها لصالحة كما نفقت أم وضحى أثناء ولادة بكرها أيضًا. تشابههما في الولادة والممات هو ما خلق المحبة والارتباط بينهما. لا تشك صالحة أن للإبل عقلًا كعقل البشر، فهي تدهشها بذكائها، وتقرأ ما تريده من نظرة في  عينيها ذات الأهداب الطويلة. 

تعالج الرواية مجموعة من الموضوعات التي لا تظهر على سطحها السردي، بل تغوص في تفاصيلها وفلتات لسان أبطالها، فحجْر البنات عن الخطّاب من أجل أقربائهم من العادات التي لا تزال موجودة، ومعاناة البدون المتمثلة في دخيل بن أسمر الذي هاجر إلى الكويت بعدما رُفض تزويجه وكتابته لقصيدته، لكنه لم يستطع الحصول على الجنسية رغم تغيير هويته ومكوثه سنوات فيها. تصور الرواية الكويت مأوى ناقصًا، ملجأ لا يوفر كل ما تحتاجه، يبقيك في المنتصف: معنا ولست منّا. فدخيل عندما اختار الكويت رأى فيها منفى الغرباء، وأرض الولادات الجديدة، لكنها لم تعطه ولادة مكتملة، بل مشوهة، اضطر لتغيير اسمه ومحاكاة لهجة هجينة وتعديل ميل عقاله دون جدوى. 

كما تعالج الرواية علاقة الإنسان بالمدينة في مقابل علاقته بالصحراء، فالصحراء عند إنسان البادية هي الموطن الحقيقي، وما سواه زيف، ولهذا ما إن يمكث دخيل في المدينة نهارًا واحدًا حتى تضيق به ويضيق بها ويقفل إلى صحرائه، ففي الصحراء لا شيء يعلو الإبل سوى السماء، وأبواب المدينة المنخفضة تثير الهلع في نفس الإبل. وإنسان الصحراء مثل جماله؛ لا تألف إلا ترامي الصحراء، ولا تفهم كيف يعيش الناس في بيوت طينية محشورة في سكك ترابية ضيقة، تغص بالحفر والحصى وراء سور عالٍ، ترى في هذا كله معيشة رتيبة بين الصنّاع، دونما ترحال أبديّ وراء نجمة أو سحابة. ابن الصحراء يأخذ من طبعها، ويصمت صمتها، وهو الشيء الوحيد الذي كرهته صالحة في دخيل عندما يبخل عليها ببعض كلمات تؤنسها وتصبّرها. 

تنطلق الرواية من قصة تاريخية ولا تتوقف عندها، يهيم الروائي في صحراء شخصياتها ويغوص في دواخلهم محاولًا إظهار ما وراء القصة من احتمالات وتأويلات، دون القطع منها بشيء. يتنقل سعود في فصول الرواية بين عامين تلخصان أحداث القصة 1901 و1941م، فيتقدم ويتأخر، بصورة كان يمكن تحسينها، فالتتابع السردي لم يكن مطردًا، ولم يخدم القصة المراد حكايتها، ولو انتظم الخط الزمني لفتح آفاق الحكي، خاصة أنه لم يعمد إلى السرد المباشر بل استعان بالذاكرة كثيرًا. أتقن سعود السرد على ألسنة مختلفة في الرواية، وانقسمت الرواية بين السرد على لسان دخيل، حقيقيًّا ومزيّفًا، وعلى لسان صالحة، حاضرًا وماضيًا. 

يلعب سعود السنعوسي مع القارئ لعبة الملحق التوثيقي، فيختم الرواية بصفحات تحت عنوان "ملحق" يقص فيها خبر ديار صالحة موهمًا بالاستناد إلى المراجع التاريخية والثقافة الشفهية والسير الذاتية وكتب الرحالة. يجيب الملحق عن بعض أسئلة الرواية ويطرح أسئلة أخرى تعجز الرواية عن الإجابة عنها. لا يريد سعود لروايته أن تكون سهلة المنال، ولهذا يختمها بخاتمة مفتوحة التأويل تجاه والد ابن صالحة وقاتله، وعن الناقة الخلوج التي كتبت القصيدة على إثر صوتها دون رؤيتها. 


أحدث منشورات

مقدمة العدد ١٥: الإبل، موروثنا وثروتنا

= "كان العربيّ يبكي ناقته إن ماتت، وكانت هي كذلك تبكيه إن مات ولربما لحقت به حزنا عليه"، هذه ليست أسطورة، أو مقطع من رواية خيالية، إنها حقيقة عاش تفاصيل حكايتها الإنسان العربي منذ آلاف السنين مع إبله،

Comments


bottom of page