top of page
  • سياق

قراءة نقدية في الإبداع: عن الإبل في ثلاثة أفلام سينمائية


هناء حجازي

كاتبة سعودية وفنانة تشكيلية وطبيبة سابقة، صدر لها العديد من الكتب الأدبية والكتب المترجمة ولها زاوية في جريدة الرياض.


كانت مصادفة جميلة أن تطلق وزارة الثقافة اسم عام الإبل على العام الذي أُُطلق فيه فيلمان سعوديان تمثل فيهما الإبل ثيمة رئيسة. أتحدث هنا عن فيلم "هجان" وفيلم "ناقة". ولأنه عام الإبل سأتحدث عن هذين الفيلمين، إضافة إلى فيلم أسترالي صدر في عام ٢٠١٤ ويحكي قصة رحالة أسترالية جابت الصحراء وحدها برفقة أربعة جمال. 

الجمل، هذا المخلوق الذي أدرك العربي معجزته منذ البدء، استخدمه وصار رفيقه في الصحراء القاسية، وحده الجمل قادر على خوض غمار الأرض الصعبة، وعلى معرفة الدروب الجافة، والوصول بصاحبها سليمًا وغانمًا إلى حيث المقصد. 




فيلم "هجان" الذي أنتجته إثراء، وأخرجه المخرج المصري  أبو بكر شوقي، وكتبه مفرج المجفل وعمر شامة، البطولة فيه للطفل عمر العطوي في دور مطر الذي كبر في رعاية أخيه غانم الذي كان هجانًا بارزًا حيث مات إثر حادث مدبر أثناء السباق، مطر يتعلق بناقة سماها حفيرة، وأصبح هجانًا؛ لأنه تعلق بها، صارت هي أهله، فهو الذي وجد نفسه وحيدًا بلا أهل. يأخذنا إلى هذه العوالم، عالم الإبل، والصحراء بكل ما تمثله من رموز، مثل القوة والصلابة والعناد والحرية، هذا ما نجح المخرج في إيصاله عبر شخصية مطر التي برع عمر العطوي في تجسيدها رغم حداثة سنه. الفيلم ساحر لأن الأجواء ساحرة، التصوير والموسيقى، الأزياء، القصة التي تتحدث عن الهجان الذي يربح السباق، لكن الفائز المعلن يكون صاحب الجمل وليس سائقه، فيلم مليء بالإشارات، عن الحياة، والسلطة، والحرية، والغش، والزيف، والهيمنة، وأيضًا عن المرأة القوية التي تربي بنتًا قوية، المرأة التي تفهم ما يحدث حتى لو اضطرت أحيانًا لقبول ما لا يُقبل، لكنها تعلن ولو بالكلمات الواضحة عن رفضها لما هو قائم. أتحدث هنا عن الشخصية التي جسدتها شيماء طيب التي أبدعت فيها بملامحها العربية صريحة الجمال. 

كل الشخصيات أبدعت في تمثيل أدوارها، ولسنا بحاجة إلى تأكيد خبرة عبد المحسن النمر الذي نقل لنا شخصية الرأسمالي الماكر، وشخصية إبراهيم الحساوي التي تمثل الجهة الأخرى، الطيب المحسن القريب من الهجانة. وعلى الرغم من قصر دور غانم، عزام النمري إلا أنه برع في دور الأخ الذي عرف كيف ينقل لأخيه قيمة الاعتداد بالنفس. 

فيلم "هجان"، فيلم سعودي بامتياز، أجواؤه مليئة بصور الصحراء والإنسان العربي، وهي صور زاخرة بالفن والجمال. 


أما الفيلمان الآخران، "ناقة"، و"تراكس (Tracks)" فالأول سعودي والثاني أسترالي، يتشابهان في مسألة واحدة، أن البطلة امرأة، وأنها تريد من الحياة أمرًا مختلفًا عن الحياة التي تعيشها. 




فيلم "ناقة" من كتابة وإخراج السعودي مشعل الجاسر وبطولة أضواء فهد، الوجه الجديد الذي أبدع في تصوير شخصية سارة، الفتاة المراهقة المتمردة والرافضة لوضعها في الأسرة، فيلم "ناقة" يختلف كليًا عن فيلم "هجان"، حيث الحكاية في الزمن الراهن، وهي حكاية شابة تريد أن تجرب الأشياء المحرمة والممنوعة، تخرج مع شاب في موعد، وتطلب منه الحصول على المخدر، وتذهب معه إلى خارج المدينة حيث ثمة استراحة بعيدة يُقام فيها حفل صاخب، وهي بالرغم من حرصها على الرجوع في الوقت الذي حدده لها والدها، نراها لا تمنع نفسها من الذهاب مع الشاب؛ لأن إغراء التجربة أقوى من المخاوف الأخرى. ثم تأتي الناقة، الناقة التي يدهس الشاب ابنها، فتجن وتحاول الانتقام، لماذا تحقد الناقة على سارة وتحاول الانتقام منها؟ هذه إحدى إشارات الفيلم المليء بالرموز، ويمكن لكل شخص أن يفسر هذه الرموز بالطريقة التي يراها، قد تكون إشارة إلى كيف توجه الأنثى غضبها إلى أنثى أخرى مثلها تخضع للظلم وتعتقد أنها السبب في ما تواجهه من نكبات. فيلم ناقة فيلم مختلف، حركة الكاميرا فيه مختلفة، طريقة السرد مختلفة، الاقتضاب الشديد في الحوار علامة مميزة من علامات الفيلم، إنه فيلم يناقش الكثير من قضايا المرأة بطريقة مختلفة وغير مباشرة وغير معتادة، طريقة فنية قد تقبلها أو لا تقبلها، تحبها أو تكرهها. وبالرغم من كل الأمور الخارجة التي قد يعترض عليها المشاهد التقليدي، يمكن لذات المشاهد التقليدي أن يُعدّ الفيلم فيلمًا وعظيًا، يرشد البنات إلى الأهوال التي يمكن أن تحدث لهن إذا ما حاولن الخروج عن الخط المرسوم. بالنسبة لي، هي حكاية فتاة تبحث عن الحياة، وكما أن الإخفاق لا يعني الاستسلام، فإن المرأة/ الناقة تعي ذلك وتمارسه. 




الفيلم الأسترالي "تراكس (Tracks)" أو "مسارات" فيلم روائي لكنه يتحدث عن شخصية معروفة، فتاة في العشرينيات من عمرها قررت أن تدرب جمالًا وتأخذها معها كي تقطع صحارى أستراليا، كان ذلك في عام ١٩٧٧، تنقلت بين مزارع تربية الجمال كي تتعلم كيف تتعامل معها. الجمل -كما هو معروف- ليس حيوانًا أصيلًا في أستراليا، أُدخل في القرن الثامن عشر، وحين تم اُستغني عن الخدمات التي يقدمها أُطلق في البرية، لم ينقرض، تناسل، وأصبحت أستراليا البلد الذي يحوي أكثر عدد من الجمال البرية في العالم. في الفيلم، نتعلم مع الفتاة بعض الحقائق عن الجِمال/ الإبل، لكننا لا نقترب كفاية منها، لا نحمل مشاعر شخصية تجاهها كالمشاعر التي حملناها لحفيرة في فيلم "هجان" أو حتى مشاعر الخوف أو التعاطف التي شعرنا بها أمام الناقة التي فقدت ولدها في فيلم "ناقة". ربما المشهد الوحيد الذي حمل لنا مشاعر البطلة تجاه جمالها حين فقدتها في الصحراء وأخذت تبحث عنها كالمجنونة ثم حين وجدتها حملت العصا وضربت كبيرهم، ثم بكت وحضنته، تمامًا كما تفعل معظم الأمهات حين تُضيع ولدها. 

فيلم "تراكس"، فيلم عظيم، يتحدث عن إنسانة مغامرة، ذهبت في رحلة خطيرة وحدها، وكما يحدث حين يختلي الشخص بنفسه، يتعلم الكثير عنها، هذا ما حدث مع روبين ديفيدسون الشخصية التي جسدتها ميا واسيكوسكا، وثقت روبين رحلتها من خلال التعاقد مع مجلة ناشيونال جيوغرافيك لأنها كانت بحاجة إلى المال وكان يصورها المصور الذي أحبها حيث كان يزورها في رحلتها من وقت لآخر. وأخرج الفيلم جون كوران. من يحب هذا النوع من الأفلام سيجد ضالته. 


أحدث منشورات

مقدمة العدد ١٥: الإبل، موروثنا وثروتنا

= "كان العربيّ يبكي ناقته إن ماتت، وكانت هي كذلك تبكيه إن مات ولربما لحقت به حزنا عليه"، هذه ليست أسطورة، أو مقطع من رواية خيالية، إنها حقيقة عاش تفاصيل حكايتها الإنسان العربي منذ آلاف السنين مع إبله،

Comments


bottom of page