top of page
  • سياق

المقال: تمثلات الإبل في الشعر الشعبي


د. سلطان السبهان

أكاديمي مهتم بالثقافة الشعبية



لم يكن لغير الإبل من الحيوانات عند العرب هذه الحظوة الكبيرة والاهتمام الواسع والتداخل العجيب مع معرفتهم وحضارتهم

 ولغتهم وعاداتهم وقوانينهم ومعاملاتهم.

وحسبك أن تعرف أنهم أفردوا في الإبل كتبًا تخص مفردات الإبل، "ومعاجم خاصة تُعنى بشرح معانيها وتقريب مدلولاتها، وذكر 

منها ابن النديم في الفهرست في مواضع مختلفة ما يزيد على

العشرين لجماعة من العلماء كالأصمعي، والنضر بن شميل،

 وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي زيد الأنصاري، والكسائي،

 والرياشي، وأبي حاتم السجستاني، وابن قتيبة، وابن حبيب، 

والقالي، وغيره".

لست هنا للحديث عن أوصاف الإبل وألوانها وقيمتها وحضورها في الشعر والرواية الشعبية، فهذا باب واسع سُوّدت فيه الكثير من الصحائف، لكني ألمح إلى شيء مهم من تمثلات الإبل في مدونتنا الشعبية.

إن حضور الإبل في الذاكرة الشعبية لا يختلف كثيرًا عن حضوره في المدونة العلمية المكتوبة، فالجمل كان ولا زال الشريك الأول للإنسان في المكان والمكانة، والناقل الرسمي للعرب، والكنز والمال الذي ينصرف إليه اسم المال أول ما ينصرف، ومادة المعاوضة الافتراضية في التعاملات المالية والتعويضات والضمانات، وهو مضرب المثل في معالي الصفات وفي أغلى المفتديات، كالأرض والأملاك تمامًا.

وكما يرفع إنسان المدينة سلاحه لمواجهة من يعتدي على مزروعاته أو مقتنياته الثمينة، يريق أهل الإبل دماءهم دون إبلهم ودون أدنى مساس بها.

ونحن إذ نتحدث عن الأدب الشعبي فنحن نتحدث عن مدونة واسعة أساسها الشعر الذي يشكل المادة الأهم، ثم تأتي الحكاية أو الرواية، على أن الشعر أقوى شهادة وأكثر أهمية لقوة تداوله ومحافظته بنسبة كبيرة على ألفاظه ونقلها كما قيلت أو قريبًا جدًا مما قيلت في حالات نادرة.

وقد كان لتمثيل الإبل في الأدب الشعبي مناحي عدة، أهمها ما كان على مستوى التداول اللغوي، حيث انتقلت بعض المفردات من قاموس الإبل إلى لغة الناس واستعمالهم، بحيث تحولت إلى الاستعمال الجديد حصرًا وتركت حقلها الأساس، ولا أوضح في ذلك من مفردة الراوية التي تعني الشخص الذي ينقل الخبر أو الحديث من مصدره إلى الناس، وما هو في الأصل إلا البعير الذي يُستخدم لسقي الماء.

ومن ذلك أيضًا مفردة المنح التي تعني العطاء، وما المنح في الأصل إلا إعطاء الناقة الحلوب لمن يستفيد من لبنها وتسمى المنيحة.

ومن تمثلات الإبل في الذاكرة الشعبية تسييرها في مطالع القصائد بغرض شد انتباه المستمع كما كان يفعل الشاعر الجاهلي حين يصف ناقته أو دابته ليتخلص إلى موضوعه الأساس الذي يريده، كنوع من استصحاب المستمع معه وشد انتباهه، كما فعل طرفة وغيره. 

ومن أشهر المطالع، المطالع التي تبدأ بــ: ياهلَ الهجن، راكب اللي..، يا راكبٍ من فوق..، يا فاطري..، يا ناقتي..إلخ.

لكن الشاعر الشعبي يعتمد على ذكر سرعة الإبل أو نوع سيرها في تأكيد حاجته، فهو يستخدم الهوذال وهو الخفة في المشي، وذلك حين يرمز لحاجة عادية وليست عاجلة، ويستخدم أنواع أخرى من العدو السريع كالدرهام وهو مد البعير لخطوته والتتابع بين الخطوات بسرعة وانتظام، والزرفال وهو جري سريع لكنه أبطأ من الدرهام، وذلك حين يكون التعبير عن موضوع أكثر أهمية.

يقول الشاعر محمد بن لعبون -رحمه الله-:

            يا راكبٍ من فوقْ زين الدَّلالِ        مامونْ مع دَوْ الخلا يهذل اِهذالْ

ويقول الشاعر بديوي الوقداني -رحمه الله-: 

            من فوق عِمْلِيةٍ تقطع بْراكبها         فدافد البيد دِرهامٍ وزِرفالِ

وكان هذا في سياق الابتعاد عن دار الهموم ومنازل السوء.

ومن تمثلات الإبل أيضًا استثمار قوة الجمل وتحمله للأثقال في خلع هذه الصفة على النادر من الرجال وأصحاب المواقف الحميدة من الوفاء وإغاثة الملهوف والصبر والجلد في المواقف الصعبة، وفي ذلك يقول الشاعر مقحم الصقري -رحمه الله- صاحب القصيدة الشيخة:

          خطْو الولد  مثل البليهي ليا ثار        زودٍ على حِمْله نقل حِمل أليفه

والبليهي وصف للجمل الشديد الصبور على حمل الأثقال، والشاعر يقول إن بعض الناس مثل الجمل إذا قام بمهماته، يحمل حمله وحمل صاحبه معه من قوته وصبره.

وهكذا يتكرر اسم الجمل في العديد من قصائد المدح، فالكفء من الرجال جمل، والمعوّل عليه من الرجال جمال، يقول الشاعر أحمد الناصر الشايع:

         وفيه رجلٍ يحل المشكلة والنشايب    كل ماحمّلوه الواجبات احتملها

          واقفٍ للزوم .. ومرتكي للنوايب      والحمول الثقيلة مالها إلا جملها


والزوج الذي يسترد الحقوق ويُدعى في الملمات جمل؛ فتقول المرأة يا جملي أي يا من يساعدني على الشدة والمصاعب.

وتأخذ التمثلات الشعبية بعدًا جماليًا حين يذهب الحديث إلى الأثر النفسي الجميل النابع من تملك الإبل والنظر إليها وركوبها، وكأن الأمر فيه التفات إلى الآية الكريمة ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾. وقد يُعبّر عن جماعة الإبل المعدة للسفر والمغازي البعيدة بالجيش، تشبيهًا بحركة الجند السائرين بانتظام وتساوي، وهو منظر حسن للناظر ويسر القلب، ثم توسع التعبير بالجيش لكل جماعة من الإبل حتى ولو لم يكن المقصد الغزو والسفر، وقد وردت هذه التسمية في كثير من الشعر الشعبي.

ولا أبلغ من أمنية الشاعر ابن ريفه فراج القرقاح القحطاني حين قال:

       يالله أنا طالبك حمرا هوى بالي           بموادع الجيش طفّاح جنايبها

       لاروّح الجيش حاديه أشهب اللالي      لاهي تروح وسيعٍ صدر راكبها 

فهو يصف الناقة الحمراء بجملة لطيفة بليغة "وسيعٍ صدر راكبها".

وقريب منه، وصف شرعان الرمالي -رحمه الله- في ابتهاج الراكب وسروره وغنائه، فيقول:

         يا راكبٍ ثنتين يشدّن الأقواس         من دار ريضان الحجر حرّكنِ

         محنونياتٍ مثل الأقواس جلاس         من فوقهن وا حلوْ صوت المغنّي


هذا ومن أكثر التمثلات جمالًا وإنسانية أخْذ حالات الإبل الفطرية والعاطفية واستعمالها للتعبير عن أحوال الإنسان، فحين يريد الشاعر الشعبي التعبير عن الفقد والتأثر برحيل الأحباب يستعير مفردة الخلوج التي تعني الناقة التي فقدت صغيرها، فهو بطبيعة الحال قد رآها وسمع صوتها وتأثر بها، فأدخل هذه الحالة لقاموسه الشعري، يقول الشاعر محمد العوني -رحمه الله- في قصيدته الخلوج:

        خلوجٍ تجذّ القلب باتْلَي عوالها      تكسّر بعبراتٍ تحطّم سلالها

      تهيْض مفجوع الضمير بحسّها          إلى طوّحت حِسّه تزايد هجالها

      له قلت أنا يا ناق كفي عن البكا      لا تبحثين النفس عن ما جرى لها

إلى أن قال:

     فلو البكا يا نــاقْ عنّى  يحــــــــــــــلّها       بكيت  بيض أيامها  مع ليالــــــــها

ومن ذلك، الحنين الذي درج في كلام الناس وأصله صوت تلك الناقة في تلك الحال، يقول الشاعر تركي بن حميد -رحمه الله- في حنين الناقة:

            أنا وا وجعي من بكرةٍ هيضتْني          في ليلة الجمعة تزايد حنينها

           تجرّ صليب الصوت مما جرى لها        تجره من الوجلى وفرقا ضنينها

ويعبرون كثيرًا عن ذلك بالونّة، ونّة الخلوج، يقول الشاعر في الناقة التي فتت الحنين كبدها جزعًا ولوعة على أولادها: 

           يا ونةٍ ونيتها يابن نصّار               ما ونّها مثلي خلوج ابن رومي 

           كنّي من الفرقى على كير بيطار        شبوبه أرطى والستاد مهمومِ 


هذه بعض تمثلات الإبل في المدونة الشعبية الشعرية، وهناك الكثير مما يمكن تتبعه وتحليله ورؤية ظِلاله على واقع الناس وحياتهم ومعارفهم ولغتهم.

أحدث منشورات

مقدمة العدد ١٥: الإبل، موروثنا وثروتنا

= "كان العربيّ يبكي ناقته إن ماتت، وكانت هي كذلك تبكيه إن مات ولربما لحقت به حزنا عليه"، هذه ليست أسطورة، أو مقطع من رواية خيالية، إنها حقيقة عاش تفاصيل حكايتها الإنسان العربي منذ آلاف السنين مع إبله،

Comentarios


bottom of page