top of page
  • سياق

المقال: الإبل في الفن والثقافة على طول طريق الحرير


أ. عبير بامفلح

صحفية سعودية كاتبة في مجال الفن والثقافة إضافة إلى عملها مترجمة.


من أكثر الصور التي ارتبطت بذاكرة طريق الحرير هي الصور الساحرة لقوافل الإبل وهي تقطع التضاريس القاسية، حاملة على ظهرها شتى البضائع المتبادلة بين الشرق والغرب لأكثر من 14 قرنًا من الزمان. وتُعدّ هذه الشبكة من الطرق التجارية القديمة التي امتدت من الصين والهند إلى وسط آسيا وأوروبا مرورًا بمناطق من الشرق الأوسط وإفريقيا، أحد أهم الإنجازات في تاريخ البشرية، وشكلت الإبل العمود الفقري لهذا الطريق بما تملكه من صفات بدنية فريدة، حيث كانت تقطع بصبر مسافة تجاوزت الـ 6000 كيلومتر، شاهدة على تاريخ وحكايات تلك المناطق. وفي السطور التالية سنقصّ الأثر الذي تركته الإبل في التراث الثقافي والفني الغني لطريق الحرير.


إذا بدأت البحث تحت عنوان "طريق الحرير" ستصادفك بالتأكيد صورة قافلة التاجر والمستكشف الإيطالي ماركو بولو المتجهة إلى الصين، وهي عبارة عن رسم مفاهيمي لمجموعة من الرجال تمتطي جيادًا تتقدمهم مجموعة من الإبل محملة ببعض المتاع. هذه الصورة هي جزء من خريطة "الأطلس الكاتالوني" التي تصف عالم العصور الوسطى؛ حيث أُنشئت في نهاية القرن الرابع عشر بواسطة مدرسة "مايوركا" لرسم الخرائط في فرنسا، وهي محفوظة الآن في المكتبة الوطنية الفرنسية. وقد ضمت الخريطة مراجع عن أدب السفر، ويأتي هذا الرسم وصفًا لكتاب "عجائب العالم" الذي يحكي عن الغرائب التي واجهها ماركو بولو في رحلاته التجارية عبر طريق الحرير.



وابتداءً، أُنشئ طريق الحرير في عصر أسرة هان التي استمر حكمها من 206 قبل الميلاد إلى 220م. وشهدت الصين وقتها عصرًا ذهبيًا من الازدهار والتوسع، ومع تطور العلاقات بين الصين والهون والمناطق الغربية، أصبحت الإبل من أهم المواشي لدى الحكومة الصينية حتى إنها أنشأت إدارة معنية بتربية الإبل، وعلى إثر ذلك بدأ يزداد ظهور الإبل يومًا بعد يوم في اللوحات والتماثيل. وكانت مدينة "لويانغ" في ذلك الزمان، تحوي ثلاثة تماثيل نحاسية للإبل، طول الواحد منها يصل إلى عشر أقدام. وفي عام 1976 اُكتشفت أوان خزفية تعود إلى أسرة هان منقوش عليها رسوم للإبل مطبوعة برقائق الذهب. ويحتفظ متحف طوكيو بالعديد من الرسومات والجداريات وتماثيل الإبل.

ينسب لطريق الحرير أنه سهل التبادل التجاري بين الممالك، لكنه أيضًا أسهم وبصورة كبيرة في تلاقي الثقافات وانتشار الأديان. على مشارف طريق الحرير في صحراء "غوبي" بالصين تقع كهوف "موغاو" التي تتكون من 492 كهفًا تحتوي على أكبر وأغنى مجموعة من الفن البوذي في العالم، وهي تضم أكثر من 2000 قطعة من المنحوتات الملونة و45000 متر مربع من الرسوم الجدارية التي تعيد طريق الحرير إلى الحياة. في الكهف رقم 302 الذي يعود إلى سلالة سوي، يوجد مشهد يصوّر جملًا يجر عربة رمز للتعاملات التجارية في ذلك الوقت. تلخص تلك الجداريات التعانق الثقافي والديني الذي مهده طريق الحرير، فأسلوب الرسم كان من بلاد الإغريق القديمة، والرسامون هم أتباع الديانة البوذية التي نشأت في الهند، والصور تصف بضائع قادمة من سمرقند ومن شتى الأرجاء. في بداية القرن العشرين استحوذت القوى الاستعمارية الأوروبية على مخطوطات مهمة ولفافات لرسومات من الكهوف التي يحتفظ بها الآن في المتاحف حول العالم. يعرض المتحف البريطاني رسمًا على ورق لرجلين يجران جملًا وحصانًا يرجع لعام 966م وقد اُستحوذ عليه من كهوف "موغاو".



خلال ذروة نشاط طرق الحرير، مرت العديد من القوافل عبر أراضي سمرقند وبخارى وكان يحكمها آنذاك "الصغديون" وهي شعوب إيرانية سكنت ما يسمى الآن أوزباكستان وطاجاكستان. لعبت هذه المدن وتجارها دورًا مهمًا في تطوير كل من التجارة الدولية والتبادل بين الثقافات على طول طرق الحرير، وقد أُثبت دورها في العديد من المصادر المكتوبة والأعمال الفنية التي عُثر عليها في الصين وعبر مناطق آسيا الوسطى. أحد الأمثلة المتميزة والنادرة عن الفن الصغدياني هي لوحة "أفراسياب" الفنية التي يُشار إليها أحيانًا بلوحة السفراء، يعود تاريخها إلى القرن السابع الميلادي حيث عُثر عليها على جدران منزل خاص في أحد المواقع في مدينة "أفراسياب" القديمة الواقعة بالقرب من مدينة سمرقند الحالية في أوزبكستان. لم يصل العلماء والباحثون إلى تفسير دقيق للمشاهد المرسومة في هذه اللوحة التي تغطي مساحة أربعة جدران لغرفة واحدة، لكن يبدو أنها تصور الحضارات الأربع الرئيسة المؤثرة في آسيا الوسطى في ذلك الوقت "الصينية، الهندية، الإيرانية، التركية". يصور الجدار الجنوبي مناظر من سمرقند، حيث يظهر موكب من أعضاء البلاط، إضافة إلى عدة أنواع من الحيوانات وعلى رأسها الإبل. 

نجد أيضًا في أرجاء مدينة سمرقند العديد من المنحوتات لقوافل الإبل، وفي ولاية بخارى يستخدم صوف الإبل ذات الجودة العالية، إضافة إلى صوف الماعز والأغنام والحرير في صناعة السجاد اليدوي الذي تشتهر به ولاية بخارى. وكذلك سنجد صور الإبل حاضرة في فن التطريز الأوزبكي الفريد وفن الفسيفساء. 

لم تكن الإبل مجرد وسيلة مواصلات أو مصدر للغذاء والصوف فحسب، وإنما حظيت بمكانة مرموقة في البلاد على طول طريق الحرير، حيث كانت تستخدم لحمل البضائع الثمينة وإظهار الثراء، وتُعدّ هدايا قيمة للممالك كما تستخدم للمقايضة لذا أصبحت الإبل مصدرًا للتقدير ونظمت على شرفها العديد من المهرجانات حتى يومنا الحاضر. من أشهر مهرجانات الإبل هو مهرجان "بيكانير" بولاية راجستان في الهند، يُفتتح المهرجان بموكب من الإبل المزينة بمختلف الألوان، وتضم فعالياته مسابقات الهجن وحلب النوق، ويشتهر المهرجان بمسابقة زخرفة الإبل عن طريق حلق شعرها، ويجتمع فنانون محترفون من داخل الهند وخارجها ليحولوا أجساد الإبل إلى قطع فنية.



صور الإبل وهي تقطع الصحراء، تعكس قسوة الصحراء ووعورتها من ناحية وتبعث شعورًا بالرومانسية والجمال من ناحية أخرى، وهذا ما أراد أن ينقله الفنان الياباني المعاصر "هيراياما إيكو" من خلال سلسلة من 8 لوحات. رسم إيكو اللوحات في آخر حياته ليوثق زياراته التي تجاوزت الــ 130 رحلة لمناطق عدة على طول طريق الحرير، كان إيكو يخاف من أن يضيع إرث طريق الحرير مع تقلب الظروف والأزمان فأنشأ متحف "طريق الحرير" في محافظة "ياماناشي" في اليابان.

استطاعت الإبل أن تعيش كرمز لطريق الحرير القديم رغم طي صفحته على يد الإمبراطورية العثمانية عام 1453م، ومع أنها لم تُعدّ وسيلة للتنقل لكنك أينما ارتحلت ستجد الإبل حاضرة في حياة وثقافة الشعوب على طول طريق الحرير.



المراجع:

كتاب دراسات في طريق الحرير

Discourses on Salt and Iron. Kuan Huan


أحدث منشورات

مقدمة العدد ١٥: الإبل، موروثنا وثروتنا

= "كان العربيّ يبكي ناقته إن ماتت، وكانت هي كذلك تبكيه إن مات ولربما لحقت به حزنا عليه"، هذه ليست أسطورة، أو مقطع من رواية خيالية، إنها حقيقة عاش تفاصيل حكايتها الإنسان العربي منذ آلاف السنين مع إبله،

Comentários


bottom of page