top of page
  • سياق

المقال: أهمية الترجمة للسياسات اللغوية

أ.د. عبدالرحمن السليمان*



الترجمة بمثابة أوكسجين الحضارة، وجميع الحضارات البشرية -تقريبًا- احتاجت إلى الترجمة؛ لتطوير ذاتها؛ بل إن أقدم تواصل بين حضارتين -منذ اختراع السومريين الكتابةَ في العراق القديم نحو 3300 قبل الميلاد- كان بين السومريين والأكاديين الذين جاؤوا إلى بلاد الرافدين قادمين من الجزيرة العربية ليزيحوا السومريين عن سدة الحكم، ويحكموا بلاد الرافدين مكانهم. وكان الأكاديون وخلفهم البابليون من الشعوب الجزيرية فاضطروا إلى ترجمة ما احتاجوا إليه من معارف من السومرية إلى لغتهم. وهكذا، نرى أن أوّل من مارس مهنة الترجمة في التاريخ هم الأكاديّون الذين اضطروا إلى ترجمة بعض المصطلحات السومريّة المرتبطة ارتباطـًا وثيقـًا بالكتابة المسماريّة التي اخترعها السومريون، فترجموها إلى لغتهم الأكّاديّة. فالتواصل الأكاديّ السومريّ -إذن- هو أقدم تواصل لغويّ في تاريخ التدوين الإنسانيّ، ذلك أنّ السومريّة أقدم لغة بشريّة دُوِّنت فيما انتهى إلينا (3300 قبل الميلاد)، وأنّ الأكاديّين أزاحوهم وحلّوا محلّهم (ابتداءً من 2900 قبل الميلاد) في حكم بلاد الرافدين حيث بنوا دولتهم الأكّاديّة البابليّة. وبما أنّ السومريّين هم الذين اخترعوا الكتابة المسماريّة -أقدم كتابة في التاريخ المعروف- وأوّل من وضع أساسيّات علوم الإدارة والسياسة، فقد أخذ ذلك كله عنهم الأكاديّون عندما أزاحوهم عن الحكم وحلّوا محلّهم، ودفعهم ذلك إلى ترجمة علومهم ومعارفهم ومصطلحات حضارتهم. ومما حفظ الدهر لنا من أوابد الأكاديّين ألواحًا تحتوي على مسارد لغويّة باللغتين؛ السومريّة والأكّاديّة، وهي أقدم ما ألّف في هذا المجال. وهكذا، نرى أنّ علم التّرجمة ولد مع أقدم حضارتين نشأتا في العالم، وأنّ علم صناعة المعجم ولد مع علم التّرجمة، وأنه ظلَّ يلازمه حتّى اليوم.


ولم يقتصر الأمر على الأكاديين أو على خلفِهم من البابليين والآشوريين، فلقد كانت الترجمة بمثابة شريان الحياة لكل الحضارات اللاحقة، ومنها الحضارة العربية الإسلامية في العهدين؛ الأموي وخصوصًا العباسي، وكذلك الحضارة الغربية التي بُنيت على إنجازات الحضارة العربية التي ترجمها إلى اللاتينية مترجمو مدرسة طليطلة في الأندلس التي تكتسب -كما يقول الأهمية التاريخية التي احتلها بيت الحكمة في بغداد. بل إنّ الاتحاد الأوربي قائم على التنوع اللغوي وبالتالي الترجمة؛ لإدارة تنوعه الداخلي من جهة، واستلهام أسباب الحياة الثقافية من خلال الترجمة من لغات أخرى من جهة أخرى. وتُعزى نهضة دول حديثة كاليابان وكوريا وإسرائيل وغيرها من الدول التكنولوجية المتطورة إلى الترجمة إلى اللغات الوطنية وتدريس جميع العلوم والمعارف بلغاتها الوطنية بهدف تداول المعارف بها وتخريج أجيال قادرة على التفكير العلمي باللغة الأم والإبداع فيه.

لكننا نرى أن حركة الترجمة العربية اليوم متعثرة جدًا. إذ يجعل تدريس العلوم التطبيقية بغير العربية من الترجمة العلمية إلى العربية أمرًا غير مجدٍ، لذلك لا تستثمر الجامعات العربية في إعداد برامج تأهيل فعَّالة، وفي تكوين مترجمين عصريين. إن تأهيل المترجمين العرب الحالي في الجامعات العربية لا يمكّنهم من إنجاز الترجمة التكنولوجية وتوطين البرامج الحاسوبية وتطبيقات الجوال، فيقام بها في دول التصنيع. وهذا يحرم المترجم العربي من فرصة عمل مجدية ماديًّا من جهة، ويجعل المنتج غاليًا من جهة أخرى؛ لأن المستهلك العربي يدفع قيمة الترجمة والتوطين في الخارج وهي مرتفعة. أضف إلى ذلك أن أكثر خريجي أقسام الترجمة في الجامعات العربية ضعفاء باللغة العربية؛ لأن كثيرين منهم درسوا أثناء المرحلة الإعدادية والثانوية في مدارس أجنبية، فأصبحت الترجمات الضعيفة التي ينجزونها ذات أثر سلبي في اللغة العربية. فالترجمة اليوم هي علم نظري وعلم تطبيقي وصناعة تكنولوجية متطورة. وتركّز الدراسات النظرية على ضرورة تمكن المترجم من اللغة الأم التي يترجم إليها. لذلك تركّز بعض الجامعات الغربية -ومنها جامعة لوفان في بلجيكا حيث أدرّس الترجمة- كثيرًا على اللغة الأم وتنظِّم برامج إضافية للطلاب الذين يعانون ضعفًا في اللغة الأم لاستدراكه. كما لا بدّ من إدماج تكنولوجيات الترجمة في برامج تكوين المترجمين العرب وتدريسهم أصول علم المصطلح، وتمكينهم من المفاتيح الصرفية لوضع المصطلح الذي لا يجدون له مكافئًا لغويًا أثناء عملية الترجمة حتى تأتي حلولهم المصطلحية مناسبة ومنسجمة مع اللغة العربية وخصوصيتها اللغوية والثقافية.


فالترجمة العلمية إلى العربية شبه منعدمة بسبب تدريس العلوم بغير العربية كما تقدّم، وأكثر ما يُترجم إلى العربية – وهو قليل جدًا – إنما يندرج تحت الأعمال الأدبية العامة. وما يترجمه العرب من العربية إلى اللغات الأجنبية يندرج أيضًا تحت الأدب وخصوصًا الدين. ويبدو مما يصدر في الغرب من ترجمات من العربية ينجزها عربٌ أن العرب يهتمون فقط بترجمة النص الديني إلى اللغات الأجنبية وأنه ليست لديهم أية استراتيجية لترجمة تراثهم الفكري إلى اللغات الأجنبية، فتركوا ترجمتها للمستعربين الأجانب الذين يترجمون من وقت لآخر أعمالاً من الأدب العربي القديم والحديث إلى لغاتهم المختلفة لغايات مختلفة لكنّها تُسهم في نشر الأدب العربي والتراث الفكري العربي في العالم وفي تعريف الناطقين بغير العربية به. ولعل نظرة على قوائم الكتب التي تصدر عن مشاريع الترجمة العربية القليلة المدعومة رسميًّا تؤكد ما صار يتردد على الألسنة من أن ثمة اتجاهًا يتبلور لجعل اللغة العربية لغة دين وأدب فقط في محاولة لإخراجها نهائيًا من مجالات العلوم والتعليم العالي والاقتصاد والثقافة والسياسة وهي المجالات التي تمكّن اللغة في عقر دارها وتساهم في انتشارها في العالم. بقول آخر: إن واقع اللغة العربية وطريقة تعامل أهلها معها يفقدها مواطن القوّة الحقيقيّة والقوّة النّاعمة وكذلك القدرة على الجذب والإقناع والتأثير والانتشار؛ لأن من أهم قنوات ذلك توظيفُ اللغة في التعليم -بمستوياته المختلفة- والثقافة والفن والاقتصاد والرياضة والسياحة والتعليم وبشكل عام الإرثُ الحضاري للدول المختلفة.


والعالم العربي بحاجة اليوم -أكثر من أي وقت مضى- إلى وضع سياسة ترجمة تكون جزءًا من سياسة لغوية ذات رؤية واضحة المعالم، وهذا يتطلب قرارًا سياسيًّا يتعلّق بتعريب التعليم العالي؛ لأن العلوم التطبيقية فيه تُدرَّس بغير العربية كما تقدّم، ولأن الحديث في التعريب بدون قرار سياسي حديث يكاد أن يكون غير مُجدٍ. كما يحتاج العالم العربي إلى إعداد برامج عصرية لإعداد المترجمين العرب تَدمج نظريات الترجمة وتكنولوجيا الترجمة في برامج تكوين المترجمين العرب في الجامعات العربية. كما يحتاج -أيضًا- إلى إطلاق مشاريع ترجمة كبيرة تحاول استدراك النقص الكبير في الترجمة إلى العربية يُنفق عليها بسخاء كما تفعل الدول المتقدمة. إضافة إلى ذلك، يحتاج العالم العربي إلى سياسة نشر واضحة تمكّن المترجمين العرب من نشر ترجماتهم؛ لأن كثيرًا منها لا يرى النور بسبب عدم وجود سياسة نشر فعّالة في الدول العربية. كما يحتاج إلى مكتب تنسيق مركزيٍّ قويٍّ يقوم بتنسيق الترجمة إلى العربية التي يقوم بها المترجمون المشارقة والمترجمون المغاربة للحيلولة دون نشوء الفروقات المصطلحية بين المشرق والمغرب العربيين كما هي الحال عليه اليوم.


لا يقتصر التخطيط اللغوي على السياقات المذكورة أعلاه فحسب، بل يتعلّق أيضًا بالاقتصاد والمعاملات التجارية؛ إذ أصبحت اللغة اليوم تؤدي دورًا مهمًا في الاقتصاد المحلي والدولي وفي المعاملات التجارية المحلية والدولية من استيراد وتصدير وشحن وتمرير للبضائع عبر الموانئ الدولية حتى وصولها إلى المستهلك. ولكل مرحلة من هذه المراحل معاملة لغويَّة تقتضيها القوانين الوطنية للدول المختلفة، كترجمة عقود البيع والشراء وترجمة وثائق الشحن وتوصيف المنتج باللغة الوطنية للمستهلك. وهذا يقتضي تقديم معلومات للمستهلك حول المنتج الذي يقتنيه وترجمة كل ما يمتُّ للمنتج بصلة إلى لغة المستهلك. وزادت العولمة والتجارة الدولية من أهمية التخطيط اللغوي حتى أصبح حاضرًا ليس في السياسات اللغوية الوطنية فحسب؛ بل وفي السياسات التجارية والاقتصادية بشكل عام. وساهمت الشركات الكبرى في العالم في مجال التخطيط اللغوي بتخصيص فروع لتنظيم استخدام المصطلح في نطاق الشركة ومنتجاتها من جهة، وتَقيِيسه ومَعْيَرته على المستوى الوطني والدولي من جهة أخرى. وانتعشت سوق الترجمة وتطورت صناعةً وتكنولوجيا في عالم قرَّبت وسائل التواصل -عبر الشبكة العنكبيَّة- بين أطرافه المترامية كثيرًا. وازدهرت صناعة التكنولوجيا اللغوية بالتوازي مع ازدهار سوق الترجمة فتطورت أدوات وبرامج لغوية مساعدة، وكذلك أنماط جديدة من الترجمة والمنتجات اللغوية مثل توطين البرامج الحاسوبية والخدمات اللغوية، كالتحرير والمراجعة والتدقيق والتقييس حتى أصبح الاقتصاد واللغة متلازمين، ونشأت التعددية اللغوية نتيجة لهذا التلازم بين اللغة والاقتصاد. وهذا كلّه يزيد من أهمية التخطيط اللغوي؛ لأنه أصبح ضرورة للاقتصاد بشكل عام وللغويين بشكل خاص فضلًا عن اللغة ذاتها.


إنها العلاقة المتداخلة بين اللغة والاقتصاد ذاتها هي التي جعلت ألمانيا الاتحادية والجامعة العربية تستثمران في مشروع لغوي ضخم يجمع كل المصطلحات التقنية باللغتين الألمانية والعربية. أطلق المشروع بالتعاون بين الوزارة الفيدرالية للتعاون الاقتصادي الألمانية وبين المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليسكو)، فالتواصل الخالي من الأخطاء غير ممكن بدون ضبط الشبكة المفاهيمية الكامنة خلف المصطلحات؛ ذلك لأن المصطلحات ألفاظ تدل على مفاهيم، ولأن الاصطلاح والتواطؤ على دلالات المفاهيم الدقيقة شرط رئيس للتواصل، سواء أكان التواصل في مجال الاقتصاد أم في المجالات العلمية الأخرى، خصوصًا الصناعيّة والتقنيّة منها. ولقد سرّعت العولمة من وتيرة التواصل بين الأمم وفرضت على الدول انتهاج سياسات لغوية واضحة بحيث أصبحت اللغات التي لم تعد قادرة على التواصل بطريقة صحيحة وفعّالة في عصر العولمة مهدّدة في وجودها لعجزها عن مواكبة التطوّر التقني والصناعي والعلمي الكبير في العالم اليوم. فعدم المواكبة هو الخطوةُ الأولى لتراجع اللغة -أية لغة- والخطوة الثانية هي الاستشعارُ بالعجز وعدم المقدرة على توليد المعاني والدلالات الجديدة، والخطوة الثالثة قصرُ اللغة على الاستعمال المنزلي واستبدالها – في التعليم والإدارة والحياة العامة – بلغة أجنبية مُنتِجَة كالإنجليزية أو الفرنسية، وأخيرًا انقراضها؛ لانصراف أهلها عنها إلى غيرها.


ويعدُّ مصطلح "الصناعة اللغوية" – وهو مصطلح وضع مؤخرًا للدلالة على الأنشطة اللّغويّة التالية: الترجمة التحريرية، الترجمة الشفوية، توطين البرامج الحاسوبية، الترجمة التلفزيونية (السطرجة)، الدبلجة، بالإضافة إلى أدوات تكنولوجيا الترجمة وتنظيم المؤتمرات المتعددة اللغات وتعليم اللغات – مصطلحًا مركزيًّا في سياق الاستثمار الاقتصادي للّغة. إن تعلم اللّغات بهدف دراسة الآداب فقط قد أصبح نمطًا تقليديًّا؛ لأن الجامعات العالمية اليوم أنشأت أقسامًا جديدة لدراسة اللّغات والثقافات من منظور اقتصادي بحت، وليس من منظور أدبي تقليدي فحسب. فبالإضافة إلى الدراسات الأدبيّة التقليديّة أنشأت معظم الجامعات العالمية أقسامًا مثل قسم الترجمة التحريرية وقسم الترجمة الشفويّة وقسم تكنولوجيا الترجمة وقسم اللّغويات الحاسوبيّة إلخ، وذلك على مستوى البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. إن المستفيد الأول من خريجي الأقسام اللغوية الجديدة هو السوق الوطنية والأسواق العالمية المختلفة.


*عبدالرحمن السليمان: أستاذ الترجمة في كلية الآداب، جامعة لوفان في بلجيكا، وأستاذ علوم القرآن والدراسات الإسلامية في كلية العلوم الدينية، في الجامعة نفسها. متخصص في اللغات السامية القديمة والأدب اليوناني القديم، ودراسات الترجمة، له نحو ٢٦٥ عملا منشورا.

 

هيئة التحرير

رئيس التحرير

د. إبراهيم الفريح

مديرة التحرير

أ. سمر المزيد

أعضاء هيئة التحرير

د. إبراهيم المرحبي | د. رانية العرضاوي | د. سماهر الضامن | أ. د. علاء الغامدي

الهيئة الاستشارية

أ. د. سعد البازعي |  د. هيفاء الفيصل | د. حاتم الزهراني | د. أحمد العطوي 

تصميم ودعم تقني

أ. إبراهيم الثاني


للتواصل والمساهمة في النشرة

syaq@scl.sa




٩٩ مشاهدة

أحدث منشورات

نص: نهايةُ القارّة

روبنسون جيفرز [2] ترجمة: شريف بقنه* لحظةُ الاعتدالِ الشمسيِّ عندما تختبئُ الأرضُ في المطرِ الأخيرِ، تُزيّنُ الدنيا بزهورِ الخشخاشِ المبلّلةِ وتنتظرُ الرَّبيعَ، يتورّمُ المحيطُ بعدَ عاصفةٍ بعيدةٍ، ويغم

الضفة الأخرى: المترجمون هم الجسور التي تربط بين البشر والحضارات. - حوار مع محمد عبدالقيوم

د. محمد شفيق الإسلام ترجمة: د. محمد البركاتي* في مقابلة ثرية بالنقاشات النقدية والترجمة الأدبية أجراها الدكتور محمد شفيق الإسلام، الأستاذ في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة شاه جلال للعلوم والتكنولوجيا،

Comments


bottom of page