top of page
  • سياق

المقال: تناول الإعاقة في الدراسات الأدبية

بقلم د. شهد الشمري*


تهتم النظرية الأدبية -بوصفها حقلًا دراسيًا- بتحليل المعنى في ثنايا النصوص الأدبية؛ الأمر الذي يشتمل على تناول موضوعات العرق، والنوع، وكذلك الإعاقة. إلا أن الباحثين العرب لم يعيروا دراسات الإعاقة الاهتمام الكافي بعد؛ نظرًا لحداثتها النسبية مقارنة بالموضوعات المتعلقة -على سبيل المثال- بالعرق.

فماذا تعني دراسات الإعاقة فيما يتعلق بالنظرية الأدبية؟ وكيف يمكن لدراسات الإعاقة إثراء فهم القراء، والناقدين، والباحثين للنصوص الأدبية؟


ظهرت دراسات الإعاقة بوصفها حقلًا دراسيًا جديدًا في تسعينيات القرن الماضي في الغرب، وتحديدًا في أمريكا وبريطانيا، وتمحورت في ذلك الوقت حول القضايا السياسية، والاجتماعية، والطبية، المتعلقة بالإعاقة. ولم يكن ظهور دراسات الإعاقة في أواخر القرن العشرين عند الغرب إلا نتيجة لنجاح حركة حقوق ذوي الإعاقات، ولتحقيق كتابات بعض الباحثين، مثل إرفينج جوفمان وميشيل فوكو، تأثيرًا بالغًا في المجتمع. ففهم طبيعة الإعاقة، وعلاقتها بالمجتمع والمجال الطبي، يعد خطوة مهمة نحو إدراك الإعاقة، وعدم التعامل معها بصفتها مشكلة فردية، أو عيبًا يحط من شأن صاحبه. ومن ثم، لم ينجح ذوو الإعاقات في التصدي لمصطلحات مثل "ذوي الاحتياجات الخاصة" فحسب، بل وساهموا أيضًا في تغيير صياغة المصطلحات المتعلقة بالإعاقة، وطرق استخدامها.


تشير نظرية الإعاقة النقدية إلى مجموعة متنوعة وبينيّة من المناهج النظرية، وتهدف بدورها إلى تحليل الإعاقة بوصفها ظاهرة ثقافية، وتاريخية، ونسبية، واجتماعية، وسياسية، ويطلق بعض الباحثين مصطلح دراسات الإعاقة النقدية على النهج ذاته. كما يظهر في هذا الصدد مصطلح دراسات الإعاقة الأدبية، وهي تُعنى بدراسة تعبير الكتاب عن الإعاقة في أي عمل أدبي، مثل الروايات، والقصص القصيرة، والشعر، والمسرحيات. ويتضح إلهام نظريات ما بعد الاستعمار، والعرق، والنظريات النسوية في دراسات الإعاقة الأدبية وضوحًا جليًا، حيث ساعد تصوير الآخر كطرف أدنى ومستضعف -مقارنة بالذات- على تكوين جوهر دراسات الإعاقة النقدية.


فكيف عُومل الأشخاص المعاقين وأجسادهم في الأدب؟ ولم ساوت الكلاسيكيات الأدبية مثل أحدب نوتردام، والملك ريتشارد لشكسبير، وموبي ديك، بين الإعاقة والشر؟ ولم لم يحاول أحد على مر العصور طرح تساؤل نقدي حول تمثيل الإعاقة؟ لقد حاولت هذه الأعمال الأدبية توظيف استعارة الإعاقة؛ لمقابلة الإعاقة بصورة الجسد "الطبيعي". فيتمكن الكتاب من خلال تصوير الإعاقة كشر أو مأساة من استعراض ما تبدو عليه الشخصية الخيّرة من هيئة وتصرفات، فالشخصية الخيّرة تختلف عن الشخصية المعاقة المقترنة بالشرور في النصوص الأدبية.


وتسلط دراسات الإعاقة الأدبية الضوء على الموضوعات المتكررة التي دائمًا ما تصور الإعاقة كخطر، أو شر، أو عقاب بسبب ارتكاب الآثام. ومن ثم تعرض الإعاقة عرضًا سطحيًا كعبرة، أو مجاز، أو موضوع في عمل أدبي، ويتجاهل الأدب؛ لأن الإعاقة جزء من التجربة الإنسانية المتعلّقة بامتلاك البشر جميعهم أجسادًا. فعدم معاناة الشخص من إعاقة دائمة لا تنفي احتمالية اختبار الألم والإعاقة في مرحلة ما، حتى وإن تعلق الأمر بالهرم. لذا، فالاهتمام بالإعاقة ليس مقصورًا على المعاقين. الإعاقة مشابهة للعرق والنوع، وتشمل الجميع على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، وأعراقهم، وأجناسهم، وما غير ذلك من العناصر المحددة للهوية. وبالرغم من ذلك، يستمر الكتّاب في التعامل مع الإعاقة بوصفها نازلة أحلت بالشخص، أو نعمة فرضت عليه التواضع. إن الخيارات الحالية لتناول الإعاقة محدودة في الأعمال الأدبية، وجميعها تضع الجسد المعاق في منزلة أدنى من نظيره غير المعاق.


سيجد واضعو النظريات الأدبية –عند دراسة الإعاقة- أنماط القمع، والظلم، في السرد الأدبي تجاه الشخصية التي تعاني مرضًا أو إعاقة. وسينصبُّ التركيز على استخدام اللغة، وكيفية ذكر الإعاقة في النص، مع أخذ طبقة الشخصية الاجتماعية، وعمرها، وعرقها، ونوعها، بعين الاعتبار، ما يثمر عن نهج متعدد الجوانب لقراءة الإعاقة وتحليلها في السرد. فمثلًا، فهم الإعاقة في ظل تطبيق المنهج الماركسي قد يؤدي إلى رؤية الإعاقة جسدًا غير منتج، فيتمحور التركيز حول قيمة العمل، وحول الطبقة الاجتماعية التي تنتمي لها الشخصية. أما تبني النظرية النسوية فيستلزم التركيز على معاملة المرأة المعاقة في النصوص الأدبية؛ هل طُمست وأُخفيت في العلية مثل شخصية بيرثا في رواية جاين آير؟ أو اُستخدمت كعبرة للنساء؟

وتزداد دراسات الإعاقة الأدبية، ودراسات الإعاقة النقدية، انتشارًا في الجامعات الغربية. أما في العالم العربي، فقد أجرت الباحثة عبير حمدار دارسة مهمة عن الجسد المتألم للمرأة المعاقة بعنوان The Female Suffering Body: Illness and Disability In Modern Arabic literature، وقامت بنشرها في عام 2014، وتعد هذه الدراسة أول عمل يهتم بالجسد المعاق للمرأة، الذي طالما كان غائبًا عن مخيلة الأدب العربي. وقد تناولت الباحثة أعمال الكاتب التي ورد بها ذكر نساء معاقات مثل أعمال نجيب محفوظ، وغسان كنفاني، وحنان الشيخ، وحسن داود، وغيرهم. واستفاضت الدراسة في التحليل الأدبي لرمزية الشخصيات المعاقة، التي كشفت عن ارتباط العار، والاشمئزاز، والعقاب، بالسرد الأدبي المتعلق بالمرأة المعاقة.


وفي الكويت –مثلاً- بحث حسين العنزي كيفية تصوير المعاقين في الإعلام في دراسة نشرت عام 2018، وعنوانها «تمثيل المعاقين في الإعلام الكويتي». العنزي من أهم دارسي الإعاقة في الخليج العربي، وما زال مستمرًا في دراسة تمثيل المعاقين في الإعلام والمجتمع. وتتضمن أعماله بحث مشاركة المعاقين في خلق السرد الخاص بهم، واستعادة أصواتهم مرة أخرى، ولكن بحوثه لا تدرس النصوص الأدبية، بل تركز على تمثيل الإعاقة في الإعلام، والآثار الثقافية في المجتمع.


وإجمالًا للقول، إن الشخصيات المعاقة دائمًا ما تكون ثانوية، أو كناية عن الشر والمأساة. أما المصطلح الجامع بين السرد والأجهزة التعويضية، فقد ابتكره ديفيد ميتشل وشارون سنايدر، ويشير المصطلح إلى إدخال الجسد المعاق في السرد الأدبي أو البصري بوصفه فرصة للاستعارة الأدبية. حيث يوظف الجسد المعاق، أو الشخصية المعاقة، أداة داعمة تسمح للسرد باتخاذ مسار جديد. إلا أن العلاقة بين الجسد المعاق والقصة الأدبية دائمًا ما ترتكز على استغلال الإعاقة، والتعامل مع المعاق بوصفه الآخر، المختلف عن الذات، فتصبح الإعاقة وسيلة لإبراز المشكلات الاجتماعية، بدلًا من التركيز على الإعاقة نفسها، والتحديات التي يواجهها المعاقين بسبب المجتمع. لذلك؛ يجب أن تهتم الأعمال العربية بغياب الشخصيات المعاقة عن أدوار البطولة في الأعمال الأدبية.


*د. شهد الشمري حاصلة على دكتوراه في الأدب الإنجليزي وهي أستاذ مساعد في جامعة الخليج في الكويت

 

هيئة التحرير

رئيس التحرير

د. إبراهيم الفريح

مديرة التحرير

أ. سمر المزيد

أعضاء هيئة التحرير

د. إبراهيم المرحبي | د. رانية العرضاوي | د. سماهر الضامن | أ. د. علاء الغامدي

الهيئة الاستشارية

أ. د. سعد البازعي |  د. هيفاء الفيصل | د. حاتم الزهراني | د. أحمد العطوي 

تصميم ودعم تقني

أ. إبراهيم الثاني

المراجعة اللغوية

أ. وسن الحسين

للتواصل والمساهمة في النشرة

syaq@scl.sa

١٦٢ مشاهدة

أحدث منشورات

نص: طه حسين يصف تجربة العمى

"كان من أوَّل أمره طُلعَةً لا يحفل بما يَلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم، وكان ذلك يكلفه كثيرًا من الألم والعناء. ولكن حادثة واحدة حدَّت ميله إلى الاستطلاع، وملأت قلبه حياءً لم يُفارقه إلى ا

دراسات الإعاقة

للجسد المعطوب والمعاق صوته أيضًا، وله كلمته فيما يُشكّل هويته ويعبّر عن المشاعر المتعلقة بموضعه بين درجات العافية والمرض. على أن هذا الصوت بقي متواريًا، إن لم يكن مكتومًا، خلف سيادة التقارير والإحصاءا

Comments


bottom of page