top of page
  • سياق

صدى: معاناة الجسد الأنثوي: المرض والإعاقة في الأدب العربي الحديث

معاناة الجسد الأنثوي: المرض والإعاقة في الأدب العربي الحديث

The Female Suffering Body: Illness and Disability in Modern Arabic Literature, by Abir Hamdar, Syracuse University Press, 2014, 174 pages

لمؤلفته: عبير حمدار

بقلم: د. إبراهيم المرحبي*

صدر عن Syracuse, NY, Syracuse University Press في عام 2014، في 166 صفحةً من القطع المتوسط. والكتاب في أصله منجزٌ علميٌ لنيل درجة الدكتوراه من جامعة لندن (SAOS)، ويشتمل على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة، ناقشت فيها حمدار شحَّ تمثلات أجساد النساء المريضة، أو المعاقة في أدب الشرق الأوسط العربيِّ المكتوب من الكتّاب الذكور، وهو ما يُظهر أهمية هذا الكتاب؛ إذ إن حقل الدراسات الإنسانية الطبيّة العربية ما يزال بحاجة إلى مزيدٍ من الدراسات النقدية الجادة التي تعرضت لموضوع الإعاقة والمرض والعجز والتنوع الجندري في الأدب. كما ناقشت حمدار كيف أن تمثيلات الإعاقة والمرض - بالرغم من ندرتها في الأدب العربي- قد حضرت محمّلة بالمعاناة، وهو ما أرجعت حمدار سببه إلى "صعوبة اقتراب الكتّاب العرب الرجال من وصف الجسد الأنثوي في كتاباتهم؛ لأنها تعدُّ أولًا موضوعًا تتماس مع الحساسية الثقافية في العالم العربي -التي شكلتها الذهنية الذكورية- ولا ترقى إلى المستوى الثقافي المثالي، أو لإخفاقهم -ثانيًا- في تمثيل التنوع الجندري والحياة الجنسية بطريقة مناسبة في كتاباتهم.


وقد ركَّزت حمدار في كتابها على طريقة تمثيل معاناة الجسد الأنثوي ذي المرض أو الإعاقة، ودورها في الأدب العربي؛ لتأخذ القارئ في رحلة شاملة في الأدب العربي، تبدأ من الخمسينيات الميلادية، وصولًا إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. انتخبت فيها الكاتبة أعمالًا سرديَّة، تنوعت ما بين قصة قصيرة ورواية لخمسة عشر كاتبًا وكاتبةً عربية، وقد أطَّرت المؤلفة تحليلها العميق لهذه الأعمال بوضع كلٍّ منها في سياقه الاجتماعي والثقافي الخاص، وبهذا المنهج الشمولي العميق استطاعت حمدار أن تعرِّف القارئ غير المختص بآداب الشرق الأوسط وثقافته وعلاقاته الاجتماعية وتقربه من معطياته المغايرة.


ووفق هذا الاستقراء التاريخي الشامل، استهلَّت المؤلفة في البابين: الأول والثاني تحليلها للنتاجات الأدبية المنتخبة مقارنة بين ما كتبه الذكور والإناث من عام: ١٩٥٠ حتى ٢٠٠٠؛ للكشف عن أشكال الإعاقة والمرض باستعاراتها المختلفة، ثم قدَّمت في الباب الثالث تحليلًا عميقًا للأعمال المكتوبة من النساء من عام ٢٠٠٠ حتى تاريخ نشر الكتاب.


في الباب الأول تناولت حمدار أعمالًا أدبية لستة أدباء عرب، وهم: محمود تيمور، ويوسف السباعي، وغسان كنفاني، وزياد قاسم، وحنا مينا، وجميعهم من مصر وبلاد الشام، وقد توصَّلت حمدار من خلال تحليلها العميق لنصوص هؤلاء الأدباء إلى أن المرأة لم تحضر إلا عنصرًا مهمَّشًا لا اسم له، أو صوت في أعمالهم، بينما حضر الرجل - سليمًا كان أو صاحب إعاقة أو عاهة- في كثير من الأحيان شخصيةً مركزيةً. ومن هنا استنتجت حمدار أن استعارة الأجساد الأنثوية المريضة والمعاقة التي وظَّفها الكتّاب الرجال في أعمالهم خلال الفترة المحددة جاءت خاضعة لصورة نمطية تتمثل في وصمة العار، مثلًا، وهي صورة تختزلها ثقافاتهم الذكورية التي عكسها الأدب؛ حيث أظهر التحليل أن استعارة المرض والإعاقة للجسد الأنثوي لم تخرج عن وصف المرأة "الساقطة" وهو ما جعل الإعاقة أو المرض نتيجةً مخزيةً للانحراف والخطيئة، تمثَّلت في صورة رد الدين، أما الصورة الثانية للاستعارة فقد تجسَّدت في صورة تعبر عن حال الأمة العربية وأزماتها، لتأتي الاستعارة الثالثة رامزة لصورة المرأة المثالية "الزوجة".


الباب الثاني تطرَّق للأدب الذي كتبته الإناث، وفيه انتخبت حمدار ست كاتبات، وهنَّ: هيام نويلاتي، وكوليت خوري، وحنان الشيخ، وعالية ممدوح، وسلوى بكر، وميرال الطحاوي. ومما توصَّلت إليه حمدار هنا هو تشارك الكاتبات مع الكتاب في حضور الشخصية الأنثوية المريضة أو المعاقة؛ إذ حضرت في أدبهنَّ مهمشةً، ولكن هذه الاستعارة اختلفت عن استعارات الرجال، فجاءت في صورة الأم المريضة، أو العمياء، أو العقيمة أو المصابة بعاهة أو شلل نتيجة حادث مروري، وهي استعارات تحمل رمزية الحضور الهزيل للمرأة -آنذاك- في المشهد العربي ثقافيًّا واجتماعيًّا، غير أن حمدار لم تشر هنا إلى سبب تبني الكاتبات لحضور شخصية المرأة مهمشةً في أعمالهن؛ وما إذا كان ذلك مقصودًا، أو قد حدث بطريقة غير واعية، ليدخُل فيما أسماه لوسيان غولدمان بالوعي الخاطئ لدى الكتاب.


أما الباب الأخير فقد خصصته حمدار لتناول الأعمال الأدبية ما بين ٢٠٠٠ و٢٠١٤، وحلَّلت فيه بعمق وشمولية ثلاثة نتاجات أدبية، وهي: رواية مكياج خفيف (٢٠٠٣) للأديب اللبناني حسن داود، ورواية غايب (٢٠٠٤) للعراقية بتول خضيري، ورواية امرأة من هذا العصر (٢٠١٠) للسورية هيفاء بيطار. ومن خلال ذلك، استنتجت حمدار أن استعارة الإعاقة أو المرض للجسد الأنثوي في هذه الأعمال جاءت متصلة بالواقع السياسي والاجتماعي للبنان والعراق وسورية؛ الذي ينتمي إليه كتَّابها، ومتغيراته، وبالتالي شكَّلت هذه الاستعارة عنصرًا مهمًّا يختزل هذه الأحداث كاملة، وما اعترى فضاؤها من مشاعر العنف والخوف والقلق المصاحبة.


ووفق عرض تاريخي لمعاناة الجسد الأنثوي المعاق والمريض في الأدب العربي الحديث ختمت حمدار كتابها مشيرة إلى أن استعارة جسد المرأة الأنثوي المريض أو المعاق في الأدب العربي منذ ١٩٥٠ حتى ٢٠١٤ قد تطوَّرت خلال هذه السنوات بفضل الأحداث السياسية والاجتماعية ومتغيراتها، وما أحدثته من تغيرٍ ملحوظٍ في وضع المرأة التعليمي والثقافي والاقتصادي الذي يختلف من بلد عربي إلى آخر؛ وذلك لأنه منذ سبعينيات القرن الماضي خرجت الدول من عباءة القومية العربية إلى المحلية، وهو ما أسهم في تعدد وجهات نظر الكاتبات حول التمثيل القاصر لتجارب المرأة وإعاقتها وعلاقاتها الاجتماعية في الأدب العربي.


يعد كتاب معاناة الجسد الأنثوي: المرض والإعاقة في الأدب العربي الحديث من الكتب المهمة في بابه تاريخًا ورصدًا، وقد مهَّد الطريق لمزيد من الدراسات الجندرية والثقافية، ونجح أيضًا في تعريف القارئ العربي بمفاهيم الإعاقة والمرض وتمثلاتها في الأدب العربي والإشارة إلى حاجتها إلى مزيد من البحث والدرس النقدي الجاد، كما عرَّف القارئ غير المختص بأدب وثقافة العالم العربي ومتغيراته الثقافية والاجتماعية والسياسية، وما تجدر الإشارة إليه هنا أن عمل الباحثة في هذا الكتاب كان مقصورًا على أعمال أدبية من أجزاء محددة من العالم العربي تمثَّلت في العراق ومصر ولبنان وسورية فقط، وبدلًا من توصيتها بتوسيع دائرة البحث لتضم بلدانًا عربية أخرى؛ لمعرفة هذه التمثلات والرؤى المشتركة والمختلفة بين كتابها وكاتباتها، تساءلت حمدار فقط عن مصير استعارة معاناة الجسد الأنثوي وتمثلاتها في الأدب العربي بعد أحداث الربيع العربي؛ ولعل هذا بسبب أن هذه الدراسة في أصلها تحصيل علمي، ومقيدة بحدود جغرافية معينة، ويمكن أن تعد هذه الحدود الأكاديمية فرصةً للتساؤل عن حالة تمثلات معاناة الجسد الأنثوي باستعاراته المختلفة في أدب شبه الجزيرة العربية كاملة، أو غيره من آداب بلدان شمال إفريقيا لتقديم صورة شاملة عن هذا الموضوع المهم في أدب العالم العربي.


إبراهيم المرحبي أكاديمي متخصص في الأدب والنقد الحديث بجامعة الباحة - حاصل على الدكتوراه من جامعة مانشستر في الدراسات الأدبية والثقافية


 

هيئة التحرير

رئيس التحرير

د. إبراهيم الفريح

مديرة التحرير

أ. سمر المزيد

أعضاء هيئة التحرير

د. إبراهيم المرحبي | د. رانية العرضاوي | د. سماهر الضامن | أ. د. علاء الغامدي

الهيئة الاستشارية

أ. د. سعد البازعي |  د. هيفاء الفيصل | د. حاتم الزهراني | د. أحمد العطوي 

تصميم ودعم تقني

أ. إبراهيم الثاني

المراجعة اللغوية

أ. وسن الحسين

للتواصل والمساهمة في النشرة

syaq@scl.sa

٩٨ مشاهدة

أحدث منشورات

نص: طه حسين يصف تجربة العمى

"كان من أوَّل أمره طُلعَةً لا يحفل بما يَلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم، وكان ذلك يكلفه كثيرًا من الألم والعناء. ولكن حادثة واحدة حدَّت ميله إلى الاستطلاع، وملأت قلبه حياءً لم يُفارقه إلى ا

دراسات الإعاقة

للجسد المعطوب والمعاق صوته أيضًا، وله كلمته فيما يُشكّل هويته ويعبّر عن المشاعر المتعلقة بموضعه بين درجات العافية والمرض. على أن هذا الصوت بقي متواريًا، إن لم يكن مكتومًا، خلف سيادة التقارير والإحصاءا

Comments


bottom of page