top of page
  • سياق

قراءة نقدية في الإبداع: لدي أجنحة لماذا أحتاج إلى قدمين؟

د. منال أحمد العُمري*


سيطرت علوم متعددة على مفهوم الجسد كعلم الإحصاء، وعلم تحسين النسل، الذي كان مهووسًا بالقضاء على العيوب بما فيها النقص الجسدي. لقد ساهم هذان العلمان في وضع قاعدة للإنسان السوي والجسد الطبيعي، ومن ثم ساهمت هذه القاعدة في خلق مفهوم الجسد المعاق، كما ساهمت في جعل الإعاقة عيبًا طارئًا على الجسد البشري، ووضعت معيارًا لهذا الجسد، مخرجة فئة من المجتمع عن حدود الطبيعي. تلت هذه الخطوة خطوة أخرى، تحول فيها المعاقون إلى هامش غير مفيد، وغير مرغوب فيه.

تجاوزت هذه الدراسات التقسيم المعياري إلى جعل الجسد ممثلًا للهوية، في علاقة متطابقة يدخلها المرء مع جسده، وهذه الهوية هوية غير قابلة للمحو، كمكان الفرد على منحنى التوزيع الطبيعي ( Bell- shaped curve )، ما يعني أن علامات الجسد وصفاته تمثل هويته، ومن ثم هوية صاحب الجسد، إذ يعرِّف الإنسان نفسه بجسده، الأمر الأكثر التصاقًا به، بدلًا من مكانه أو عرقه أو جنسه.


إن الإعاقة عند علماء الإحصاء انحراف عن الطبيعي بعدّ متوسط صفات أفراد المجتمع هي الطبيعي (Normal)، ووفق أدولف كوتلي Adolphe Quetelet ، ما يمثله متوسط صفات الأفراد في المجتمع هو الإنسان الطبيعي، بل المثالي، في عدول واضح عن فكرة الجمال الإلهي الكامل -زيوس على سبيل المثال- إلى الجمال الإنساني المعتدل.


في خطوة إضافية، قام غالتون Galton بمراجعة التوزيع الطبيعي وإعادة تمثيله على شكل ترتيب تصاعدي (Ogive) ما أدى إلى ظهور فكرة جديدة للكمال، وهي فكرة الكمال الإحصائي. قبل هذا المعنى لم يكن لدى الطبيعي ما يجعله يصبو إلى الكمال، حتى أعاد غالتون الكمال فوق المتوسط بعدّه نبوغًا عن متوسط المنحنى الطبيعي، إذ لا ينظر إلى عدد حاملي الصفات بل إلى الصفات نفسها.


من هنا كان النبوغ أقرب للكمال الإلهي، والمتوسط هو الطبيعي، والصفات أقل من المتوسط تقبع في قاع الترتيب، ضدًا للجمال، والكمال؛ ومن ثم خارج موضوعات الفن والأدب، وربما في أحيان كثيرة على هامش الحياة.


وعلى النقيض من ذلك، تطالعنا الفنانة المكسيكية فريدا كالو (Frida Kahlo 1907- 1954)، التي تعد من أبرز فنانات العصر الحديث، بلوحاتها التي تجسد تجربة إنسانية فريدة مثقلة بالألم. يمكن للفاحص للوحات فريدا أن يلاحظ ثيمات الدم والدمع والموت والجسد العليل، والقلب الذي يظهر غالبا منكشفًا خارج الجسد.


زاوجت فريدا في لوحاتها بين الأسلوب الواقعي والسريالي، مع أنها لم تنجز أكثر من 200 لوحة إلا أنها سعت بواسطة تلك اللوحات إلى الكشف عن مشاعرها، واستطاعت تصوير العزلة والإعاقة والألم، جراء إصابتها بشلل الأطفال، وكان مرضها أول تحول في شخصية فريدا الطفلة ووفق رواية الدكتور بيغون Begun، الذي جمع تاريخها الطبي: "كانت فريدا معافاة حتى حلول عام 1918، حين تعرضت لحادثة حيث اصطدمت ساقها اليمنى بجذع شجرة سببت لها تشوهًا طفيفًا في قدمها، شخّص أطباء عدة الحالة بوصفها شلل أطفال" جعلها الأمر تنعزل في غرفتها عدة أشهر، ونتج عنه ساق يمنى نحيلة للغاية، ظلت محل سخرية ممن يراها. تقول فريدا في هذا الصدد: " ظلت ساقي نحيلة جدا، في سن السابعة كنت أنتعل حذائين صغيرين. في أول الأمر كنت أحسب أن النكات المتعلقة بساقي لن تؤذيني أو تجرحني، لكن فيما بعد آذتني فعلا، وبمرور الزمن بات تأثيرها أعمق وأشد". من هنا نعلم عمق تأثير الأمر عليها، إذ ظلت تخفي ساقها النحيلة بالجوارب، والتنورات المكسيكية الطويلة، هذا التأثير العميق للمرض سيظهر جليًا في لوحاتها مع مرور الزمن، وسيزداد غورًا بعد حادثة الحافلة التي وقعت عام 1925 وخلفت كسورًا خطيرة في العمود الفقري، والترقوة، والأضلاع، والساق اليمنى، والكتف اليسرى، والحوض، وظلت في قالب من جص مدة شهر محاطة بهيكل يشبه الصندوق. بعد مغادرتها المستشفى ظلت فريدا ثلاثة أشهر إضافية حتى استطاعت مغادرة المنزل.


ترك هذا الحادث بصمته على جسد فريدا، كما انعكس أثره في روحها وفنها، وأنتجت مضاعفات الحادث ثيمات متكررة في لوحاتها، كتصويرها لعمودها الفقري، وقدمها، وتصويرها للموت، والتجذر في الأرض، وملازمة السرير وغيرها. هذه الإعاقة مع ما تركته من حزن مستمر، وتبعات مؤلمة منذ الطفولة، وحتى وفاتها؛ كونت هوية فريدا الفنية، التي لا يصعب فهمها من خلال لوحاتها.


يسيطر في الغالب على الفنان موضوع يتكرر في لوحاته، ويعود إليه بكثرة. فعلى سبيل المثال: فان خوخ Van Gogh وزهرة عباد الشمس، ويعود مونيه Monet مرة بعد مرة إلى زنابق الماء، ويكرر كليمت Klimt ثيمة الأجساد المتكومة في كثير من لوحاته، أما فريدا فتعود دائمًا لرسم صورتها الذاتية ( self-portraits ) بأسلوب مختلف عن رسم الصور الذاتية عند الفنانين الآخرين؛ لذا يمكننا القول إن هذا الموضوع هو الثيمة المحورية الأهم عندها، وتعلل ذلك بأنها غالبا ما تكون وحدها، وأنها الشخص الذي تعرفه جيدا، فترسم هوية الجسد المعاق، وآلام الروح المصاحبة، وتستبدل قدمها مرة بالسفينة للإبحار بدلًا من المشي، ومرة تكون مجنحة في استعداد للتحليق كطائر يصبو للسماء متخففًا من معنى أن تكون للإنسان قدمان.



تصور فريدا جسدها في لوحة بعنوان (The Broken Column, 1944 ) مشقوقًا على طول عمودها الفقري ليكشف عن عمود من الفولاذ محطم تحاول جمع جسدها حوله بمشد طبي متعدد الأحزمة، والمسامير تغطي جسدها ووجهها، مع الوشاح الأبيض -غطاء سرير مستشفى- الذي يغطي أسفل جسدها. تبدو واقفة باستقامة، بحاجبين كجناحي طائر على مروج خضراء واسعة، والدمع أبيض ناصع يتساقط من عينيها. هذه لوحة خلابة الجمال؛ لولا العمود الفقري المكسور، وآلام الجسد (المسامير)، والدموع. ولو حاولنا تجاهل هذه التفاصيل الموجعة؛ لرأينا جسدًا ممشوقًا، ووجهًا بديعًا، وشعرًا مسرحًا للخلف بكل ترتيب، لكن هل بالإمكان أن نفعل؟ إنه لمن الصعب تخطي العطب المكشوف الواقع في مركز اللوحة بحيث لا يمكن للعين تجنبه.


مرة أخرى تصور ظهرها المتأثر بالعمليات الجراحية في لوحة بعنوان ( Tree of Hope, 1946 )، وهي ممددة على الفراش وتعطي الناظر إلى اللوحة ظهرها، في دلالتين مهمتين أولاهما: هذا ظهري الذي أغطيه، وهذا هو موضوع اللوحة الأساس؛ لأننا حين نتأمل الأرض في اللوحة نجدها قاحلة، ممتلئة بالشقوق الكبيرة. فكل الأرض جسدها، وحين ننظر في هذا القسم الذي صورت فيه الجسد المكشوف تكون الشمس فيه ساطعة والوقت نهارًا في دلالة ثانية على أن ما ترونه هو واقع الحال.

في القسم الآخر من اللوحة، تجلس فريدا التي ترتدي زيًا مكسيكيًا تقليديًا فاقع اللون أحمر في أبهة ملكية، وتحمل في يدها راية، ورأس الراية مغطى بالدم، ومكتوب عليها بالإسبانية: "شجرة الأمل ثابتة". هذه الشجرة الوحيدة وسط أرض قاحلة، هي فريدا نفسها، والقمر يطل عليها وسط الظلام، هذا ما لا يراه الناس؛ روح فريدا التي تأخذ بيدها لتتجاوز معاناتها، وتمنحها الشجاعة حتى في الأوقات الصعبة والحالكة.




رسمت فريدا عقب عملية جراحية أجريت لها في نيويورك لوحة بعنوان: ( The Little Deer, 1946 )، وكانت تأمل أن تخفف العملية من آلامها، لكن هذا لم يحدث. تصور الفنانة في هذه اللوحة نفسها بجسد أيل تنغرس السهام في أنحاء متفرقة منه، في محاولة لتجسيد الألم الذي تشعر به. يظهر الأيل وحيدًا وسط غابة مظلمة للتعبير عن خيبة الأمل التي أصابتها بعد فشل عمليتها. تقول: "السهام التي اخترقت خاصرتي، دخلت عميقًا ولم تسقط، لولا كل الحيوية المتبقية في جسم الغزال الصغير، ما كان ليجد طريقه خارج سياج الغابة الكثيفة صوب البحر الأزرق والسماء الزرقاء". رغم خيبات الأمل التي تجسدها اللوحة، نجد في رسائلها ما يوحي بتطلعها نحو أمل يوصلها إلى البحر والسماء الباديان من بعيد خلف الغابة.


نواجه في لوحات كثيرة أخرى قلب فريدا مكشوفًا ونازفًا، بل في لوحتها التي رسمتها لطبيبها (Self-portrait With Dr.Farill, 1951) تصور فريدا لوح الألوان على شكل قلب، فهي تستخدم قلبها في الرسم إثباتًا لصدق ما ترسمه. وفي لوحة بعنوان (The Heart, 1937) تُصور قلبًا ضخمًا عند قدميها، وتقف بصدر مجوف تخترقه عصا على كل طرف منها ملاك، تتأرجح العصا بين زي مكسيكي تقليدي وزِيٍّ حديث، ولكل زي يد واحدة، بينما تقف فريدا بينهما وقدماها واحدة في البحر، والأخرى على اليابسة. قدمها التي في البحر على شكل سفينة، وانكشاف القلب لا يعني صدق التعبير وحسب، بل يعني الألم. فالقلب متضخم وينزف، وتصويرها نفسها دون يدين يعبر عن قلة الحيلة، وسلب الإرادة، وتبقى القدم التي تبحر هاجسًا عندها، فهي وسيلتها للإبحار بعيدًا عن الألم.


تكرر ثيمة لا تقل أهمية في لوحاتها وهي: ثيمة طائر الطنان. يظهر هذا الطائر في أكثر من لوحة حيًا أو ميتًا. تتميز فريدا بحاجبين كثيفين متصلين؛ لكنها في اللوحات تبالغ في تكثيفهما ليظهرا على هيئة جناحي طائر. فحاجباها يحلقان بها دومًا، ولذلك هي لا تحتاج إلى أجنحة. في إحدى لوحاتها، جعلت فريدا حاجبيها جناحين لطائر الطنان؛ هذا الطائر الذي يعد من أصغر الطيور حجمًا وأكثرها جمالًا، فألوانه الزاهية، بل الصارخة، تشبه كثيرًا روحها، وحجمه الضئيل يذكرها بجسدها، علاوة على أن له جناحين يطير بهما؛ الجناحان اللذان تحلم بهما. وفي لوحة أخرى تجعله قلادة لها، فتعلقه ميتًا في عقد من غصن أشواك يلتف حول عنقها الذي ينزف دمًا، في تشكيل لما تشعر به من إحباط؛ فالأشواك آلامها، والطائر -وسيلتها الوحيدة للنجاة- ميت، في صورة معبرة عن اليأس.

إن الرغبة في الطيران رغبة أصيلة عند فريدا منذ الطفولة، إذ عنونت إحدى رسوماتها في العام 1938: (إنهم يطالبون بالطائرات ولا ينالون إلا أجنحة من قش). تمثل هذه اللوحة إحباط الطفولة. لقد كان والداها يلبسانها ثوبًا أبيض، وجناحين، لتبدو على هيئة ملاك. إلا أن الجناحين سببا لها تعاسة كبرى لعدم قدرتهما على حملها طيرا. ثَبّتت فريدا في هذا الرسم ثوبها بالأرض، وجعلت الجناحين معلقين في السماء، في دلالة على استحالة التحليق، بل وكل حركة عداه.

بالإمكان قراءة سيرة ذاتية كاملة اعتمادًا على لوحات فريدا، إذ سردت حياتها في لوحاتها، وخلدت كل آمالها، وأحلامها، وأوجاعها، ومخاوفها، كأنها كانت تخشى ألا تصل قصة ألمها للناس؛ فقررت تخليدها، عبر لوحات تنبض بالألوان والدموع. تقول عن فنها إنه يحمل رسالة الألم، إلا أنه يحمل رسالة الأمل كذلك، مع التعبير عن هوية الجسد وأثرها في الروح. قاومت فريدا كثيرًا الوجع، وتحلت بالصبر، وقاومت من أجل الحياة والسعادة والحب، وذلك بتقبلها لجسدها العليل، وإظهارها له، وعرضه على لوحات فنية غاية في الجمال والإبداع.


تقدم فريدا الإعاقة بوصفها فنًا، يمكن أن ترى قدمًا عليلة وجذعًا مشوهًا، لكن لا ضير في ذلك لأن الروح تحلق نحو السماء "لدي أجنحة لماذا أحتاج إلى قدمين؟".



*منال أحمد العُمري

أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك سعود


 

هيئة التحرير

رئيس التحرير

د. إبراهيم الفريح

مديرة التحرير

أ. سمر المزيد

أعضاء هيئة التحرير

د. إبراهيم المرحبي | د. رانية العرضاوي | د. سماهر الضامن | أ. د. علاء الغامدي

الهيئة الاستشارية

أ. د. سعد البازعي |  د. هيفاء الفيصل | د. حاتم الزهراني | د. أحمد العطوي 

تصميم ودعم تقني

أ. إبراهيم الثاني

المراجعة اللغوية

أ. وسن الحسين

للتواصل والمساهمة في النشرة

syaq@scl.sa








٢٧٧ مشاهدة

أحدث منشورات

نص: طه حسين يصف تجربة العمى

"كان من أوَّل أمره طُلعَةً لا يحفل بما يَلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم، وكان ذلك يكلفه كثيرًا من الألم والعناء. ولكن حادثة واحدة حدَّت ميله إلى الاستطلاع، وملأت قلبه حياءً لم يُفارقه إلى ا

دراسات الإعاقة

للجسد المعطوب والمعاق صوته أيضًا، وله كلمته فيما يُشكّل هويته ويعبّر عن المشاعر المتعلقة بموضعه بين درجات العافية والمرض. على أن هذا الصوت بقي متواريًا، إن لم يكن مكتومًا، خلف سيادة التقارير والإحصاءا

Comments


bottom of page