top of page
  • سياق

المقال | دلالات الضحك في شعر الأمير بدر بن عبد المحسن

    أ. د. أحمد بن عيسى الهلالي




الضحك خصيصة إنسانية، يتفرد بها الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى، فإن كان بعض الفلاسفة قد عرّفوا الإنسان أنه حيوان اجتماعي أو ناطق، فقد عرفه بعضهم بأنه حيوان ضاحك، والضحك حالة تعبيرية إزاء المواقف والأحداث تشبه البكاء ولا تناقضه، فرغم ارتباط الضحك بالفرح والأنس، وارتباط البكاء بالحزن والألم إلا أنهما يتبادلان الأدوار، ويخرج كل منهما إلى غير ما هو له في بعض المواقف التعبيرية، كالبكاء من شدة الفرح، والضحك سخرية من بعض المواقف المؤلمة.

وقد دأب الشعراء على استثمار ثيمات الضحك والبكاء في تعبيراتهم الشعرية، وأفادوا منهما في تشكيل دلالاتهم المختلفة، وهذه المقالة تتجه إلى النظر السريع في دلالات ثيمة الضحك في شعر الأمير بدر بن عبد المحسن -رحمه الله- فقد تواتر تعبيره بها في دواوينه، وكانت لافتة في ديوان شهد الحروف إذ بلغ تكرارها 16 مرة، وعبّر بالابتسام 18 مرة، لكن لمحدودية المقالة سأكتفي بالنظر في ثيمة الضحك، مع أن بعض الباحثين يعدُّ الابتسامة تأسيسًا للضحكة، لكن هذا الرأي يحتاج إلى سبر عميق، ونظر دقيق.

عبّر بدر بن عبد المحسن بالضحك كغيره من الشعراء في موضوعات الفرح والأنس، وهذه التعبيرات على أهميتها ليست وجهة المقالة، بل ستكون وقفاتها عند التعبيرات النوعية التي استثمر فيها الشاعر ثيمة الضحك استثمارًا مغايرًا، ووظّفها توظيفًا يعمّق دلالة لحظته الشعورية، فمشاعر الاشتياق -مثلًا- تتحول عند شاعر الصحراء إلى العطش، والعطش بدلالاته وألفاظه ظاهرة تستحق التأمل في شعر البدر، يقول:


عطشت لضحكةٍ تشفي ورمشٍ لو جَرَحْ أدمى

من اللِّي قِدْ مَلَكْ كِلْ هالجَمَالْ وما غدا عَبْدَهْ


مفتتح (عطشت لضحكة تشفي) يظنه المتلقي أوّل وهلة شكوى افتقاد الشاعر ضحكته، لكن اتصال السياق بالعطف يأخذ بيده إلى ضحكة الحبيبة، وقد صوّر البدر ضحكتها ماءً يروي اشتياقه، لكنه عدل عن تُروي المناسبة للعطش إلى (تشفي) فكانت أوفى بالتعبير عن لحظته الشعورية، فللشوق آلامه لكن ضحكتها الترياق.

وحيث إنّ غاية المقالة التوقّف عند الدلالات الفارقة للثيمة عند البدر، فإن ركِاب النظر ينيخ أمام صورة الضحكة القناع، التي يتوسّل بها الشاعر لستر حزنه عن الآخرين، فهم لا يدرون عن جراحه، وآلام فراقه:


مِنْ دَرى بجرُوحي

أو فراقِي لروحِي

اِحبسي دمعِك عيونِي

واضحكي.. واِنسي

مَا تغيّر شَي!


إننا أمام فلسفة شعرية خاصة، تضع خطًا فاصلًا بين الداخلي الخاص والظاهري العام، حيث ينأى الشاعر بحزنه عن فضول الآخرين، متدرعًا بابتسامته عن الحاجة إلى التبرير، وتتجلى بلاغة الصورة في أن نهي العينين عن الدمع ممكن، لكن الطلب منهما أن تضحكا هي حالة تجلٍ مختلفة، فالضحك عادة يكون بالفم وأسارير الوجه، ونصيب العينين من كل ظاهرة الضحك أقل مما سبق، لكن الشاعر يقصد إلى كثافة القناع الساتر لحزنه، فآثار السعادة والبهجة في العينين أبلغ من الضحكة في حالتها المعتادة؛ لأنّ الحزن يطلّ من العيون والفرح كذلك، ولو اكتفى الشاعر بنهي العينين عن الدموع لما استوفت الصورة حقها المنشود، ولما أدّى القناع دوره، فكانت ثيمة الضحك وفية بالمراد لمزيد من ستر الداخلي الخاص.

وضحك العيون أثير في تعبيرات البدر عن البهجة، لكنه يخرج إلى الوصف، حين يقول: 


يا ترى وينك حبيبِي

ضحكةْ عيونِي.. حبيبِي

يا تَرى الدّنيا بدُوني

مِثْل هالدّنيا بدونَك

ما لها لون وطعم


تعبير (ضحكة عيوني) جاء على سبيل وصف مكانة المحبوبة، ولو استبدلنا كلمة ضحكة بكلمة (فرحة عيوني) لكانت مكافئة، لكن الشاعر عدل إلى ضحكة؛ لأن إشعاع الضحك من العيون أعلى مراتب الفرح والبهجة، وانتفاء الحزن والبؤس، كما أن تعبير الشاعر بأن الحبيب معادل لضحكة العينين فيه رفع لمنزلته من طرف، وفيه جلال يرفع التعبير إلى العزيز النادر عن الشائع المبتذل من طرف آخر.

ومن اقتناصات البدر الشعرية العميقة تفريقه بين حالتين من الضحك، الضحك الداخلي المستور، والظاهري المحسوس، حين يصور حالته المتردية، ويستثمر ثيمة الضحك في دلالة عائمة مفتوحة على التعجب من جهة، وربما التحسّر مما آلت إليه حاله من جهة أخرى:


مشقّق الأسمَال.. مُغْبر

أجيك.. مترنّح ومُصفَر

بأمراضي أجيك.. يالمورِق الزّاهِي

ما عاد بي أخضَر

وتتذكَّر أشباهي

تقول: أنت فلان ؟ وأهز راسي

أجمع حواسِّي كلّها وأضحَك

في بالي إني أضْحك.. مدْري عن شفاهِي!!


جملة (تتذكر أشباهي) والتعبير بـ(فلان) تتعاضدان للنهوض بدلالة أنّ المخاطب لم يعرفه لفرط تغيره (مشقق الأسمال/ مغبر/ مترنّح/ مصفر/ بأمراضي/ ما عاد بي أخضر)، كل هذه الصفات التي طرأت عليه جعلت المخاطب يشبهه بآخر، ما استدعى ضحك الشاعر، لكن هل كان الضحك من الشبيه؟ أم كان من غلط المشبِه؟ أم كان من الحالة التي آل إليها؟ كل ذلك تجنب الشاعر الفصل فيه، وتركه للمتلقي، ثم تتجلى العبقرية الشعرية في الضحك (في بالي أني أضحك)، فهو في داخله يظن أنه يضحك، وقد أقر باله على ذلك، لكن الشاعر في اللحظة ذاتها يقول (ما أدري عن شفاهي)، هل ترجمت الشفاه الضحك الداخلي وأظهرته للآخر أم خانته ولم تستجب، وهذه العبقرية تعمق اللحظة الشعورية التي يصورها، فحالته الرثة لا تناسب الضحك بجميع معانيه، ومن طرف خفي تومئ إلى حالة الذهول اللحظية والتناقض اللامنطقي الذي يشعر به، ويفضي كل ذلك إلى الاعتقاد أن الضحك كان سخرية من الواقع.

ومن التعبيرات الفارقة للضحك في شعر البدر التعبير بالضحكة الذابلة، فالضحكة في تصوره كائن حي له نضارة كالورد، والأوراق، لكن عوادي الزمن تغض من نضارتها فتصفر، كأوراق الشجر في الخريف، يقول:


خرِيف

أوراقِك الصَّفرا.. خرِيف

والضِحكةْ الصفرا.. خرِيف

ملَّت.. مواعِيد الوَلَهْ

قلبك دَلَهْ


تعبير (الضحكة الصفرا) يصور تلك اللحظة التي تقرأ في وجه الضاحك أنه طاعن في الحزن أو الضجر، ولتكون معبرة؛ اختار الشاعر إدراجها في سياق الخريف وتساقط الأوراق، لاستثمار دلالات الخريف على النهايات الموحشة، فتسلسَل من عنوان الفصل (خريف) وهيأ المتلقي بـ (أوراقك الصفرا)، ثم اقتطف من معجم البهجة أعلى ثيماته (الضحكة) فصبغها باصفرار الخريف، ثم أغلق ستار التعبير بالملل، والتناسي، فكان الخريف علامة فارقة لهذه العلاقة الآيلة للفراق في قصيدة (لا تنساني).

وذبول الضحكة من الأمور المقلقة في تجربة البدر؛ لأنه يتصورها كائنًا حيًا نضرًا، له بهاؤه اللحظي، يُشعِره بالألم حين يتغشاه الذبول، فقال متحسرًا:


حسايف.. تذبل الضحكةْ وهي بين الشفايف

تذبل الفرحةْ وتضيعْ

ويصبح الكون الوسيعْ

ما يكفّي خطوتين


حسايف، مفردة عاميّة تعبر عن التحسر واللوم، وهي عنوان لقصيدة حفلت بدرامية اللقاء والفراق السريع، تلك اللحظة القاسية التي أذبلت الضحكة في لحظة مولدها وتشيئها، حتى إن فنان العرب محمد عبده حين غناها قديمًا وحديثًا استبدل تذبل بـ(تُقتل)، للتعبير عن ألم اللحظة، وربما لتجنب تكرار تذبل في سطرين شعريين متتاليين، ثم صوّر الشاعر قسوة اللحظة التي ذبلت فيها الفرحة وضاق الكون بالشاعر حتى تجمدت خطاه، ويستمر التعبير بذبول الضحكة أيضا في قول البدر:


باقي منّي لِيل.. وباقي نجْمة.. وضَيْ ضِحْكة ما ذْبَلتْ

باقِي منّي في المواعِيد القديمَة.. ألف ذِكْرى ما رْحلتْ


اختار هذه المرة أن تحافظ ضحكته على نضارتها، فهي تتغذى على الذكريات الجميلة، ولكي يعبر عن نضارتها جعلها مضيئة (ضي ضحكة ما ذبلت)، فالضحكة ضياء الوجه والروح؛ لأنها تشي بالبهجة والفرح والحياة.

ولعل مما يلحق بتعبيرات البدر النوعية بثيمة الضحك، تصويره للحيرة في بواعث الشعر في ذاته حين يشعر بالعجز عن كتابة القصيدة:


يموت في قلبي الشّاعر ويغتال المشَاعر ذيب

ولا أدري أفزع لضحكي.. أو أحمي صرختي ونوحي

حزينةْ هالقوافي، لا.. ولكن من يَعَرْف الغيب

سعيدةْ هالقوافي.. بنتظر لِين آخرة بوحي


 يضعنا أمام مفترق طرق حين يثير تساؤلًا عميقًا، هل الشعر ابن السعادة أم ابن الحزن؟ ويختار ثيمة الضحك للتعبير عن السعادة، لكن المتأمل يشعر بحزن البدر، فالضحك (السعادة) ناء عنه، يحتاج في بلوغه إلى أن يفزع (يلجأ) إليه، أما حزنه (صرختي ونوحي) فهو مقيم فيه؛ لأنه يحميه، ولا يُحمى إلا القريب الملازم.

وعلى ما تقدم، فهذه المقالة المقتضبة لا تفي بما في النفس تجاه ثيمة الضحك بتجلياتها كافة في شعر البدر، لكن المأمول أن تكون نافذة للقارئ يطل منها على عبقرية بدر بن عبد المحسن وذكائه الشعري في اقتناص الدلالات والتعبير بالعزيز، وأن تكون محرضًا للباحثين على سبر الظواهر الشعرية والتعبيرية في تجربته النوعية الشاسعة.




 1ـ انظر سيكولوجية الفكاهة والضحك، د. زكريا إبراهيم، مكتبة مصر، د.ت.

2ـ جميع نصوص هذه المقالة من ديوان شهد الحروف، بدر عبدالمحسن، مؤسسة بدر بن عبدالمحسن الحضارية، الناشر هيئة الأدب والنشر والترجمة، الرياض، 1444هـ، عدا شاهد واحد.

3- مسودة ديوان ما ينقش العصفور في تمرة العذق، بدر بن عبدالمحسن، مؤسسة بدر بن عبدالمحسن الحضارية، ص 80.


 أستاذ الأدب والبلاغة في قسم اللغة العربية بجامعة الطائف، أديب وشاعر وصحافي سعودي صدرت له أربعة دواوين ورواية و 3 كتب نقدية منشورة، ويكتب في صحيفة مكة، وأسس مجلة فرقد الإبداعية وما يزال يرأس تحريرها.





أحدث منشورات

مقدمة العدد | (ههههههههه)!

هيئة التحرير هل تستطيع أن تكتب ضحكاتك؟ هل هي: (ها ها ها) أم (هههههههه) أم (ههاي)؟ ولو كنت من غير العرب، هل ستبقى خيارات صوت الهاء هي المتاحة أمامك لمحاولة تسجيل ضحكاتك؟ ربما لو كنت روسيًا لسمعت ضحكاتك

متابعات العدد الثامن عشر

من أروقة النقد: ملتقى الشعر الخليجي 2024‬⁩ ينطلق ⁧‫ملتقى الشعر الخليجي 2024‬⁩ في مدينة الطائف في يومي 5-6 يوليو 2024 بتنظيم من هيئة الأدب والنشر والترجمة. وستُقدّم العديد من الفعاليات الثقافية كالأمسي

Comments


bottom of page