top of page
  • سياق

صدى: 24/7 الرأسمالية المتأخرة ونهاية النوم



جوناثان كراري

أستاذ الفن الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك. 


*مراجعة: أ. أفنان المبارك


مقدمة

يتناول الكتاب التأثير السلبي للرأسمالية في الفرد والمجتمع، وهيمنتها على نمط الحياة المعاصرة، وإعادة تعريف مفهوم الوقت عند الإنسان الحديث، فالأسواق تعمل على مدار الساعة، كما انتشرت ثقافة المحل المفتوح (24\7) التي تعني العمل 24 ساعة 7 أيام في 

الأسبوع، إلى جانب خطاب تحفيز دائم للعمل المستمر والإنجاز.

أثر هذا كله في العلاقات الاجتماعية والإنسانية وقيم التفاهم والتعاطف. 

فما موضع النوم بين هذا كله؟ وفقًا للكاتب جوناثان كراري، أصبح النوم في سياق الرأسمالية المعاصرة معيق للعمل والإنتاج، فالأولوية تُعطى دائمًا للمصلحة الاقتصادية والمادية.

يتناول كراري قضية النوم من عدة زوايا، ويناقش مظاهر تغير عادات النوم وتأثير الثقافة الرأسمالية في ذلك، كما يورد كيف أن هذا التأثير يتسبب في معضلة أخلاقية تتلاعب في احتياج بيولوجي وأساسي لدى الإنسان.

 

التلاعب بالنوم

يذكر كراري كيف أن النوم من الظواهر النادرة التي لم تهيمن عليها الرأسمالية، كما أنها شكل من أشكال المقاومة ضد تأثير الدعوة إلى الاستهلاك والإنتاج المستمر.

 إلا أن هناك عدة محاولات قد عبثت بهذا الاحتياج الأساسي، فقد أجرت الإدارة الأمريكية العسكرية عدة تجارب لأجل تطوير تقنيات تساعد الفرد على البقاء مستيقظًا، كان الهدف منها إبقاء الجنود لمدة لا تقل عن سبعة أيام دون نوم، وتصل إلى ضعف هذه المدة، مع الحفاظ على مستويات عالية من الأداء الذهني. لم يكن الهدف من هذه التجارب العثور على طرق لتحفيز اليقظة بل لتقليل حاجة الجسم للنوم. 


مثال أورده الكاتب وهو اقتراح صادم لإحدى الشركات تحت شعار " نهار طوال الليل "وذلك عبر إطلاق أقمار صناعية تعكس ضوء الشمس إلى الأرض، تهدف إلى توفير الإنارة للمناطق النائية. وبالطبع لم يُجرى المشروع فقد عارضته جماعات ثقافية وإنسانية بحجة أن سماء الليل هي موروث مشترك، كما أن تجربة ظلمة الليل ومشاهدة النجوم هي حق أساسي للبشر جميعهم ولا يمكن لأي أحد إلغائه.

هذا المثال وغيره برهان على سيطرة الرأسمالية وذلك باستغلال المؤسسات العسكرية والتجارية للفرد والتلاعب بحاجتهم للنوم.


رؤى فلسفية 

يحلل الكاتب التطور التاريخي لحالة النوم، فقد شهد القرن السابع عشر ظهور الفلسفة الحديثة التي تتمركز بدورها على المنهج العلمي والعقلاني. استخف بعض الفلاسفة بحالة النوم مثل ديكارت وهيوم ولوك، وذلك لعدم صلته بعمليات العقل كما أنه لا يتوافق مع الأفكار الحديثة التي تركز على الإنتاجية والعقلانية، فعُدّ ذا قيمة منخفضة مقارنة بمفاهيم الوعي والإدراك والإرادة. بالنسبة لديفيد هيوم فقد وضع الحمى والجنون مع النوم في فئة واحدة كأمثلة على معيقات المعرفة، أما جون لوك فقد رأى أن النوم تعطيل مؤسف –رغم أنه حتمي– عن مقاصد الإله الأساسية للبشر: أي أن يكونوا منتجين وعقلانيين.

أحد الفلاسفة القلائل الذين كانت لهم رؤية مختلفة هو الفرنسي إيمانويل ليفيناس الذي حاول أن يدمج حالة الأرق في سياق التاريخ الحديث. يربط ليفيناس الأرق بالمسؤولية الفردية حيث يستشعر الإنسان الكوارث الإنسانية في حالة الأرق، فهو أكثر من مجرد حالة جسدية بل حالة شعورية متعاطفة، يتذكر فيها الإنسان غيره، و يمتنع عن الشعور بالراحة و الانغماس الذي يأتي مع النوم. بالنسبة لليفيناس فإن الأرق هو التيقظ في وجه العنف الذي يحدث في العالم. 


متاح 24 ساعة

  ينتقد الكاتب ثقافة 24\7  (24 ساعة) التي حولت الكوكب إلى مركز تسوق مفتوح يحوي خيارات ومهام لانهائية. هذه الحالة المستمرة من الإنتاج والاستهلاك اللامنقطع تستنزف الحياة، وتتسبب في نضوب الموارد. يصفها الكاتب بأنها " زمن بلا زمن، زمن منتزع من أي سياق ملموس أو محسوس، زمن بلا تسلسل أو تكرار، بوجود دائم لا يمكن تغييره،  أعمال مستمرة لا تتوقف." و يضيف نقلًا عن الفيلسوف موريس بلانشو" إنها سماء فارغة، بلا نجوم أو علامات... تضيع الوجهة... كما يصبح تحديد الاتجاه مستحيلًا."

هذه الحالة الاستمرارية للزمن سببت زوال الحدود بين الليل والنهار، وبين الضوء والظلام، وبين العمل والراحة، كما أنها تمحو التغييرات الموسمية التي شكلت حياة معظم الثقافات على مدار السنين الفاصلة بين أيام العمل "كالفصل بين أيام العبادة وأيام الراحة".

بالنسبة للكاتب فإن مصطلح 24\7 تعبير واهن، مستحيل زمنيًا، وفي التعبير نفسه تضمين استهجاني لضعف وعجز البشر. 


تأثير التقنية والتزامن الجمعي 

ثقافة 24 ساعة تعني أيضًا أنه لا يمكن لأحد أن يبقى بعيدًا عن الأجهزة التقنية في الوقت المعاصر، أصبحنا دائمًا متصلين بالأخبار والأسواق ومعلومات تستجد في كل وقت، دائمًا في وضع التشغيل، كل موقف أو حدث يمكنه أن يوثق ويخزن على شكل بيانات أو صور أو مقاطع رقمية. إن أحد آثار هذا الاتصال المستمر هو ما سماه الفيلسوف برنارد ستيغلر "تذويب الخبرة الحسية الحقيقية داخل الثقافة المعاصرة". راقب ستيغلر الانتشار الكاسح  للأشياء الوقتية المصنعة بغزارة كالأفلام، برامج التلفزيون، الموسيقى الشعبية، أغاني الفيديو كليب. 

وعدّ انتشار استخدام الإنترنت منتصف التسعينيات نقطة فارقة على قطاع الصناعة السمعية البصرية. فهي المسؤولة بحسب ستيغلر عن "التزامن الجمعي"  mass synchronization  للوعي والذاكرة، وجادل بأن توحيد الخبرات على مثل هذا النطاق الواسع يعني فقدان الهوية الذاتية والفرادة؛ كما يؤدي إلى زوال كارثي للمشاركة الفردية الإبداعية.


اختلاق احتياجات زائفة

يرى كراري أن أنماط الاستهلاك الشائعة بسبب وسائل الاتصال الحديثة يتطابق مع أسلوب أغلب الشركات العالمية كشركات الأدوية، فقد لوحظ أخيرًا تضاعف عدد الحالات النفسية، فتبعًا لذلك طورت عقاقير جديدة، ومن ثم رُوج لها بوصفها فعالة وإلزامية. لقد ساهمت أدوات الاتصال الحديثة في اختلاق احتياجات زائفة، أو أوهمت بوجود قصور وهمي كان الهدف منه إقناع المستهلك أن هذه المنتجات حلول ضرورية. ففي العقدين الماضيين، ازدادت ظاهرة تحويل الحالات العاطفية البشرية (المتقلبة بطبعها) إلى اضطرابات مرضية على نحو غير دقيق لخلق أسواق جديدة ضخمة لمنتجات لم يكن هناك حاجة لها سابقًا، وتعزيز مبيعاتها.


الانتظار 

يشير الكاتب إلى فيلم D'Est  وهي سينما وثائقية بصرية تتبع الأشخاص الذين يقفون في طوابير أو ينتظرون في محطات القطارات. الفيلم يعبر عن فعل الانتظار بحد ذاته، دون هدف أو تفسير أو وجهة محددة. أراد الفيلم أن يظهر الانتظار جزءًا أساسيًا من تجربة العيش والتواصل البشري، حيث إن وقت الانتظار المعلق وغير المنتج يعني وجود النية الحسنة في التعاون والتراحم، واحتمالية اللقاء. إلا أن هذا الانتظار بالنسبة للرأسمالية مشكلة معيقة لعدم توافقه مع مبادئها. نحن في زمن بلا انتظار، كائنات تحت الطلب بشكل فوري، وجود منعزل بسبب القرب الدائم من الأجهزة الإلكترونية، يتجاهل فيه الفرد مسؤوليته تجاه الآخر. يقل فيه الاستماع للآخر، وانتظار دور للحديث، كما أن التدوين الإلكتروني أحد أمثلة اكتساح نماذج الحديث الذاتي الذي يلغي الانتظار والاستماع. وغالبًا ما يثير انتظار ازدحام السيارات والوقوف في الطوابير الاستياء والسخط، كما أن عدم الانتظار امتياز يتمتع به الأثرياء والنخب.


خاتمة: 

يمثل النوم تحديًا للرأسمالية فهي الحاجة الإنسانية التي لم تستغلها وتحولها إلى أداة لتحقيق الربح، على الرغم وجود المحاولات التي ذكرت في الكتاب. الفكرة هنا أن النوم أكثر من مجرد حاجة بيولوجية، بل ظاهرة فريدة تمزج بين الانعزال والتواصل البشري، فالاعتماد على رعاية الآخرين لاستعادة الراحة هو أحد أشكال تقديم الرعاية لأشكال المعاناة الاجتماعية. تناول الكتاب أيضًا فضيلة الانتظار كجزء من الحياة اليومية، يقترح النص أيضًا أن النوم يمكن أن يكون مصدرًا للتفاؤل بمستقبل أفضل خالٍ من الرأسمالية والبشرية بعد حدوث تغيرات أكثر أهمية.


*عضو هيئة تدريس في السنة الأولى المشتركة- جامعة الملك سعود

أحدث منشورات

مقدّمة العدد ١٦: أيها الحالمون  

(يا صباح الخير، يا صباح الورد، يا صباح البطيخ)! كم مرة ترسل عزيزي القارئ تغريدة أو رسالة صباحية بعد أن تستيقظ من نومك؟ كم مرة شعرت بأنك غبت طويلًا في نوم عميق سلبك مشاهدة الحياة وأبعدك عن مناوشاتها؟ و

コメント


bottom of page