top of page
  • سياق

سجال: عن الأحلام ومسؤولية النوم تجاه اليقظة


إعداد وتحرير: د. عبدالله العقيبي


قد يبدو الحديث عن النوم حديثًا اعتياديًا، بحكم كونه نشاطًا يوميًا طبيعيًا، لكن بمجرد فتح الباب أمام المعارف الإنسانية التي اهتمت به، سنلاحظ أنه باب من أهم الأبواب التي استغلقت على المعرفة البشرية، وحيَّرت الكثير من المفكرين والفلاسفة، ليس في عصرنا الحاضر فقط، بل من فجر التاريخ، فقد عُرف عن شعوب بلاد الرافدين أنهم كانوا يدونون أحلامهم على ألواح فخارية، أملًا في الحفاظ عليها، أو ربما لمحاولة فهم سر استمرار أحداث الحياة أثناء النوم، وكذلك فعل المصريون القدماء، الذين جمعوا أكثر من مئة حلم شائع مع مدلولاتها المحتملة في كتاب الأحلام، ولا يقتصر الاهتمام بالنوم على الثقافات والحضارات، فالأديان القديمة بمختلف منطلقاتها العقدية اهتمت به، واختلفت حوله، ولا يخفى اهتمام فلاسفة اليونان بالنوم كذلك، خاصة عند أبقراط الذي تحدث باستفاضة عن اضطرابات النوم، وله فيه مقولة شهيرة "لولا النوم لاجتاح العالم الجنون".


ومع كل تطور بشري عبر التاريخ يكون للنوم والأحلام نصيب من التأمل والدراسة بحسب ظروف المرحلة وطريقة فهم الإنسان للعالم في وقتها، حتى وصلنا إلى العصر الحديث وقرأنا محاولات تفسير النوم والأحلام علميًا، وفتحت المختبرات الكبرى أبوابها للنوم، حتى باتت هناك مدونة علمية ضخمة تحت مصطلح "علم النوم Somnology"، هذا إضافة إلى ارتباط النوم بالدراسات النفسية لدى فرويد ويونغ من أصحاب مدرسة التحليل النفسي.


وإذا أردنا أن نستعين بالأدب والفن على فهم النوم وعوالمه العجيبة من أحلام وكوابيس وأرق، فإننا أمام مادة أدبية وفنية مهولة في ضخامتها، يختلط فيها البعد الشعري بالبعد الأسطوري، فـ"بنات الكرى" كما كان العرب يسمون الأحلام قديمًا، تحكَّمت بضمائر الأدباء والفنانين ومشاعرهم، فهذا بشار يختلط عليه أمر زائرة النوم، فيقول: 


لا تَعذِلوني فَإِنّي مِن تَذَكُّرِها                    نَشوانُ هَل يَعذِلُ الصاحونَ نَشوانا

لَم أَدرِ ما وَصفُها يَقظانَ قَد عَلِمَت.                 وَقَد لَهَوتُ بِها في النَومِ أَحيانا

باتَتَ تُناوِلُني فاهًا فَأَلثُمُهُ.                                 جِنِّيَّةٌ زُوِّجَت في النَومِ إِنسانا


كما أننا نجد للأحلام مكانًا في مسرحيات شكسبير الشهيرة، مثل: "حلم ليلة صيف"، التي استخدم فيها الأحلام ليعبر عن أفكاره الفلسفية والرومانسية، وقدَّم صورًا مبتكرة لعوالم الأحلام وما تحمله من أسرار ورموز.


وكذلك جورج أورويل، في روايته "1984"، التي استثمر فيها الكوابيس ليصوِّر مستقبلًا مظلمًا ومرعبًا للبشرية، حيث تتجسد الكوابيس في شكل الدكتاتورية والتحكم الشديد في الحياة الشخصية.


وبطبيعة الحال لا ننسى كوابيس فرانز كافكا المظلمة والغامضة حيث تندمج الحقيقة بالخيال بشكل غريب ومربك، ولا آخر ما سطره عبقري الرواية العربية نجيب محفوظ في "أحلام فترة النقاهة"؛ الكتاب الإشكالي من حيث التجنيس الفني، الذي تضمن 150 حلمًا، عبارة عن نصوص وشذرات من أحلامه، أضيف إليها أحلام متخيلة. 


حول النوم والأحلام والأرق والكوابيس، وجَّهنا في سجال هذا العدد مجموعة من الأسئلة لثلاثة من الكُتَّاب، هم: الكاتبة والروائية العُمانية (ليلى عبدالله)، التي أصدرت مجموعة من الأعمال الأدبية التي نالت بها عددًا من الجوائز الأدبية، ومن هذه الأعمال: "رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن"، و"هواجس غرفة العالم"، و"كائناتي السردية". والكاتب والروائي (عزيز محمد)، صاحب رواية: "الحالة الحرجة للمدعو ك"، التي رُشحت لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية. والدكتور (جابر الأحمري) أستاذ الأدب والنقد المشارك بجامعة أم القرى، ورئيس قسم اللغة العربية بالكلية الجامعية بالقنفذة، صاحب كتاب: "تجليات النص المُشاكِل: دراسة نظرية تطبيقية لمتشابه المعاني في شعر امرئ القيس". وقد خرجنا من خلال إجاباتهم بمادة سجالية متفاوتة من حيث الرؤى والتصورات.

تقول الروائية ليلى عبدالله عن علاقة الكتابة بالأحلام والكوابيس وعن محاولاتها الشخصية مع تفكيك عالم النوم والأحلام: "يجعلني تماهيك هنا أستدعي الشاعر البرتغالي " فرناندو بيسوا" الذي عُرف بأنه كان شديد الانغماس في الأحلام، إذ كان الحلم هو ملاذه الباقي للاحتماء من قسوة العالم. أعتقد أننا جميعًا بشكل ما نحتمي وراء أحلامنا. وأذكر في طفولتي المبكرة حين كانت أكثر أحلامي متعة تدور حول شخصيات رسوم الكرتون المحببة لقلبي الغض. لكنَّ أشد كوابيسي كانت حول يهود يطاردونني، وكيف أنهم ينوون قتلنا جميعًا بوحشية! في مرحلة المراهقة جرفتني كثافة الأحلام والمنامات الغريبة إلى اقتناء كتب حول تفسير الأحلام. أذكر أشهرها كتاب ابن سيرين في تفسير الأحلام، كان كتابي المفضل في تلك المرحلة، كنت أجلس يوميًا أقلب صفحاته وأقرؤه بنهم في محاولة لفك رموزه التي تستدعيها مناماتي. لدرجة أنني في مرحلة ما أصبحت مفسّرة أحلام العائلة، وكل ما رمى أحدهم حلمه نحوي أظهر مهارتي في التقاطه". 


وعن ذات السؤال، يخبرنا الروائي عزيز محمد عن التناقضات والمفارقات التي حدثت معه بخصوص رسم شخصياته، وعن استحالة النجاح التام في توثيق الأحلام: "لطالما تصورت أنَّ إحدى السمات التي تُميّز الكاتب الجاد عن غيره هي أنه حين يوقظه حلم من عذب النوم، يقرر أن يدونه على الفور قبل أن يفقد التفاصيل، لكنني ما زلت من أولئك الذين يُفضِّلون إكمال نومهم، فحين تحلم شخصية في رواية أو يتخلل فيلم مشهد لكابوس، أشعر بحالة من الانفصال عن العمل. ربما يعود ذلك في جزء منه إلى قناعتي بأن توثيق الأحلام مهمة مستحيلة، والأكثر استحالة هو أن نجد لها ارتباطًا بمنطق العمل من دون أن يبدو الرابط تأويليًّا؛ أي أنها بطريقة ما تبدو حيلة مبتذلة لأن يوجِّه الكاتب انتباهك لما عجز عن تضمينه، من دون أن يتخلَّى عن ادعاء الإيحاء. والمفارقة هنا هي أنَّ أي كتابة ذاتيَّة، أو دراسة لشخصيَّة، لا يتخلَّلها مشهد حلم، تبدو كتابة ناقصة. وبدوري لم أنجُ من هذا التناقض؛ إذ لا يمكنني أن أرسم شخصياتي الرئيسة من دون أن أتخيل أحلامها الليلية، مهما بدت نائية وهشة الارتباط بخيوط السرد". 


الدكتور جابر الأحمري يأخذنا إلى منطقه الخاص، الذي يعتمد فيه مبدأ المقارنة بين عالمين، عالم الصحو وعالم النوم، وهو يدعونا إلى: "النظر في  جوانب متعددة ومستويات مختلفة لموضوع العلاقة بين حالة الوعي الكامل أثناء الكتابة في فسحة من الوقت أو في معاناة من الأرق، وحالة الانفصال التام عن الواقع حين الحلم ورؤية من يهمنا أمره من الذين غادروا في مركبات نوم كبرى". ويضيف د. الأحمري قائلًا: "هناك مظاهر سطحية يمكن أن تلتقطها عيون الكتبة في النظر إلى هذه الحالة اللذيذة من الخارج، إلَّا أنَّ ثمَّة مواطن أكثر عمقًا وإدهاشًا، أكبرها الاعتراف باستلاب إرادة الأديب الواعية لحظة الاندماج البرزخي في عالمي الإلهام إبداعًا مُطلقًا، وعالم الوعي صحوًا مسؤولًا. النوم حاجةٌ بشريةٌ لا يمكن الاستغناء عنها، والنوم محطة استراحة الجسد من العناء البدني، والعقل من التفكير المنضبط، والنوم هو وعاء الرؤى والأحلام، والأرق تلك الحالة غير المحببة يغلب ذمها، إذ تمنع الإنسان من الحصول على محبوبه النوم في وقته المناسب، وقد شكا منه المتنبي وأنكر تراكمه، ونحن نشكره لتسببه في إبداعه قافيَّته الشهيرة: "أرقٌ على أرقٍ ومثليَ يأرقُ … وجوىً يزيد وعبرةً تترقرقُ". 


وحين جعلنا السؤال أكثر تحديدًا، وحاولنا مشاغبة المساجلين من خلال توجيه انتباههم إلى آراء فرويد الصادمة بخصوص تفسير الأحلام، وإلى فتوحات مدرسة التحليل النفسي فيما يخص ظاهرة الحلم، قال لنا الدكتور جابر: "لا شك أن هذا نابع من توجه فرويد وتلاميذ مدرسته في تحليل الحلم، وعدِّه وسيلة يمكن التوصل من خلالها إلى مناطق وعرة لا يصل إليها اللسان في العقل اللاواعي، إذا ما نظرنا إلى أن تلك الأحلام هي أفعال حية في قنينة من الموت المؤقت، تبدو أجزاؤها أحجية في عالم غير مفهوم من الفنتازيا، وقد توسّل النفسانيون والنقاد بحثًا عن فهم هذه الحالة بتحليل لغة الأحلام ومحاولة فك طلاسم الرموز الحلمية".

وعن "الهو" طفل فرويد المسكين، الذي لا يعرف النوم أبدًا، والمسؤول الأول عن مغبة الأحلام والخيالات المكبوتة في حياة البشر، يقول الروائي عزيز محمد: "لا أعرف الكثير عن ذلك؛ لأنني نادرًا ما أحلم، وإذا حلمت لا أتذكر. وأجد صعوبة في تصوُّر أن حياتي الحلميَّة تملك قدرًا كبيرًا من التأثير على ذاتي أو القدرة على التنفيس عن رغباتها. لا أعرف ما يقول ذلك عن "الهو" الخاص بي غير أنني لا أتصوره أقل نشاطًا في حالة اليقظة منه أثناء النوم. علاقتي بأحلام اليقظة كانت دائمًا أشد وثاقًا، لهذا كانت قراءة باشلار بالنسبة لي فتحًا من فتوح اللاوعي، على عكس مدرسة التحليل النفسي الفرويدية التي لم تقدم سوى مصادر للاستئناس، رغم أنها أسهل توظيفًا في السرد من منهج باشلار الظاهراتي".


بينما قالت الروائية ليلى عبدالله في هذا السياق: "فرويد كان يرى النوم نوعًا من العودة إلى رحم الأم، فالمرء حين يكون في وضع لا يمكنه تحمُّله يجد في النوم ملاذه الوحيد للرجوع إلى الحالة التي كان عليها قبل أن يأتي إلى العالم؛ أي الاحتماء في رحم أمهاتنا. وأعتقد أنه يجعلنا نعيد الاعتبار لرديفنا في الحلم، أو لشبيهنا. كما أنَّه يجعلني شخصيًا أنساق إلى الفصل بين أنايَ وبين "الهوَ" الذي يحيا حياةً أكثرَ مرونة في الأحلام التي أراها، وتبدو لي كشواهد على نوعية الحياة التي أتوق إليها ولا أنالها سوى في المجاز بعيدًا عن الواقع".


عن بعض الأعمال والمصنفات الأدبية وغير الأدبية التي تناولت النوم واختيرت لسؤال النقاد والمبدعين المشاركين في هذا السجال كـ"تفسير الأحلام" لابن سيرين، و"الجميلات النائمات" لكواباتا، و"كتاب النوم" للورداني، يخبرنا الروائي عزيز محمد بأنَّ: "ما يجمع بين الأعمال المذكورة هو أنها مكتوبة بيقظة، أي أن الكاتب رغم انشغاله بعالم النوم لا يضع نفسه في مستوى النائم؛ بل يراقب ويحلل النوم من الخارج، ولا يسمح لكتابته أن تتماهى مع اللاوعي. أتصور أن محاولة التماهي تتطلب درجة من الشعرية، ربما لا تتحقق إلا بكتابة سريالية تشترط غياب التأويل. وإن كان هيثم الورداني يقترب أحيانًا من تخومها إلا أنه يبقى يتأرجح بين المقالة الأدبية والتأمل الشعري من دون أن يتورط تمامًا في الشعر. وليس في ذلك ما يعيب هذه الكتب عمومًا، بل يكاد يكون العكس أقرب للصحة. بالنسبة للكثيرين فإن الخيال السريالي استنفد إمكاناته ولم يعد يقود إلى اختراقات ذات شأن، في هذا العصر بالتحديد".


أما الروائية ليلى عبدالله فآثرت الخروج عن القائمة المختارة، لتقدم إضافة مغايرة  استخدمَ فيها البطلُ النومَ وسيلةً للاختفاء، تقول: "للنوم تأثير جبّار على نسق حياتنا كبشر، بل يسيّج النوم العالم من حولنا. وبقدر ما يختل هذا النظام ينحو بنا هذا إلى الانهيار والتدمير النفسي. على النقيض من ذلك يكون النوم لساعات طويلة أو طوال النهار عند البعض هو نوع من التخفّي؛ كبطل شخصية الكاتب "جورج بيريك" في روايته" الرجل الذي ينام" وهو طالب ينسل عن مسؤولياته وعن الروابط الاجتماعية بالنوم، يظل نائمًا في غرفته منزويا عن العالم الخارجي. يذكرني هذا بالتحديد بمثل كويتي كنت أردده باستمرار في مراهقتي: "إذا كثرت همومك نام" وكنت اتخذّه مبررًّا شافيا لي كلما وجدتني محاطة بأعباء الواقع!"  


أما الدكتور جابر فقد ذكرنا بالمرحوم غازي القصيبي، ونبَّهنا إلى الفرق الجوهري بين التناول الشعري التخيُّلي للأحلام، وبين تمثيلات السرد له، قائلًا: "ثمَّة كتابات ومؤلفات نظرت إلى هذا الجانب المهم من حياة الإنسان، وفي حين اصطنع بعضها مناهج علمية، حلَّق بعض المبدعين في خيالات حلمية مصطنعة، وما أزال أذكر اندهاش وجوه كانت تستمع إلى جماليات قصيدة الرؤيا لغازي القصيبي -رحمه الله-، وكنَّا وما نزال نُنزل أغرب مواقف الحياة منزلة الحلم، وبعض المبدعين يهرب تجاه الحلم فرارًا من التقيد بالمنطق، ولتسويغ تناقضات العمل الفني، ولأن السرد هو الأقدر على مفاوضة الأحلام وجدنا الحلم والنوم وتمثلات الموت الصغير أظهر حضورًا في الأعمال الأدبية السردية والدرامية".


قرأتُ قبل فترة وجيزة قصة قصيرة اسمها: "إخبار الطفلين" ضمن مجموعة قصصية تحت عنوان: "نبالغ في تقدير الحب" للكاتبة الفرنسية: "بريجيت جيرو"، تدور أحداثها حول أم وأب في خضم ترتيبات انفصالهما، ويخشيان إتعاس طفليهما الحتمي، في ثنايا القصة تقول الأم: "سوف نجلس أربعتنا في الصالون أو حول طاولة الأكل في المطبخ، فكرنا في تفادي المساء، بسبب الليل الذي يعقبه مباشرة"، أحالتني خشية الأم بالغة الحنية إلى قصص الجدات قبل نوم الأطفال، فكرت ربما كان لهذه القصص مسؤولية مباشرة عن الكوابيس التي تجتاح نوم الأطفال، فوجهت لضيوفنا سؤالًا ختاميًا عمَّا خطر في بالي، لكنَّ الروائي عزيز محمد تنصَّل من هذا السؤال، وقال متذرِّعًا بفقرِه الكابوسيِّ: "مع الأسف لم أحظ بتجربة تفيدني في تقديم إجابة، وبإمكانك الاستنتاج من إجاباتي السابقة أن خيالي فقير جدًا حين يتعلق الأمر بالكوابيس!".


بينما أكَّد الدكتور جابر الأحمري من جهته بشيء من تلطيف الهواجيس تجاه جريرة أساطير الجدَّات المنسوجة بعناية قبل النوم، فقال: "لا شك أن لحكايات ما قبل النوم وظيفة ظاهريّة هي التسلية وتسكين الجسد، مع تهيئة العقل لخوض تجربة نوم أكثر هدوءًا، إلا أنني أستطيع الجزم الآن بأنَّها كانت بالإضافة إلى ذلك تعبيرًا عن مرغوبات يصورها الخيال الجمعي ويرجو رؤيتها في الأفراد، خاصة الصغار، ولو بعد حين، أضداد من الخير والشر والشجاعة والخوف والاستبسال والضعف والنور والظلمة والحق والظلم، اكتنزتها تلك القصص، وأبطال لتلك الحكايات من الشباب والفتيات ومن الأطفال والكبار ومن الفرسان واللصوص، وأبطال من الأمهات والأخوات والآباء والإخوان، كل ذلك لتصحو صباحًا وأنت تدفع بأعمالك وأحلامك لتقدم دورًا بطوليًا مناسبًا على مسرح تفضيلات مجتمعيةٍ منتقاة بعنايةٍ فائقة".


في حين اعتبرت الروائية ليلى عبدالله أساطير وحكايات قبل النوم، ضرورة لا بد منها، كما أن لها وظيفة عجيبة مرتبطة بتجاوز مرحلة الطفولة، حيث تقول: "الجدَّات والأمَّهات كُنَّ  يستدعينَ  أساطيرهنَّ  لغايتين كما أرى: إما لتخويفنا لئلا نخرج نحن الصغار وقت (القايلة) أثناء النهار، أو لتنويمنا ليلًا، وكانت لحكاياتهنَّ أثر المنوّم المغناطيسي، الذي يسحبنا سحبًا إلى بواطننا محاطين بعناية الشخصيات الخارقة، التي إما أن نتغلب عليها أو تغلبنا، فتنهار أحلامنا على هيئة كوابيس تخضُّنا حينما نستعيد وجودنا باليقظة. لقد كنّا نحتاج لتلك الأساطير لكي نكبر".


إنَّ عالم الأحلام هو عالم العجائب، مدينتنا السحرية، نستطيع أن نلاحظ أثره البالغ في البشر بمختلف مراحلهم العمرية، ومستوياتهم المعرفية، هذا العالم وإن كان لغزًا محيرًا، يظل في الوقت نفسه، أحد ألطف وأغرب وألذ مصادر الخيال لدى المبدعين، وحيرته ذات دلالة طباقية تشبه طباقية الإجابات التي حصلنا عليها من حديث ضيوف سجالنا الأكارم، وليس هناك أدل من تراكم طباقية الأحلام والتباسها، من قطعة الفيلسوف الصيني: "جوانج زي" الجميلة، التي يقول فيها: "رأيتُ أنا جوانج زي مرّةً في منامي أنّني فراشةٌ تُرفرفُ بجناحيها في هذا المكانِ وذاك، أنا فراشةٌ حقًا من جميعِ الوجوه، ولم أَكن أُدركُ شيئًا أكثر من تتبعي لخيالاتي التي تُشعرني بأنّني فراشة، أما ذاتي الإنسانية فلم أكن أُدركها البتّة، ثم استيقظتُ على حين غفلة، وها أنا ذا مُنطرحٌ على الأرض رجلًا كما كنت، ولستُ أعرفُ الآن هل كنتُ في ذلك الوقت رجلًا يحلمُ بأنّه فراشة، أو أنّني الآن فراشةٌ تحلمُ بأنّها رجل".     

         

  


 


  

  



أحدث منشورات

مقدّمة العدد ١٦: أيها الحالمون  

(يا صباح الخير، يا صباح الورد، يا صباح البطيخ)! كم مرة ترسل عزيزي القارئ تغريدة أو رسالة صباحية بعد أن تستيقظ من نومك؟ كم مرة شعرت بأنك غبت طويلًا في نوم عميق سلبك مشاهدة الحياة وأبعدك عن مناوشاتها؟ و

Comments


bottom of page