top of page
  • سياق

قراءة في كتاب (الأدب الشعبي في الحجاز)

الأدب الشعبي في الحجاز، عاتق بن غيث البلادي، دار مكة للنشر والتوزيع، ١٩٨٢، ٤٣٤ صفحة


سعد بن أحمد بن عيضه المطرفي*






كتاب الأدب الشعبي في الحجاز لمؤلفه الشيخ عاتق بن غيث البلادي -يرحمه الله- من أهم مراجع الأدب الشعبي، ورغم تسميته بهذا المسمى إلا أنه كتاب موسوعي يتجاوز التحديد الموضوعي والمكاني الذي وضعه مؤلفه له، فهو كتاب أدبي واجتماعي وثقافي وفني يرصد فيه هذه الظواهر عند القبائل التي تتجاور في الحجاز، خصوصًا منطقة الوسيط، وهي المنطقة بين مكة والمدينة. وهذه القبائل لها امتداد واسع في شبه الجزيرة العربية؛ كقبائل عتيبة وحرب وهذيل ومطير وغيرها. وينتج هذا التجاور مظاهر أدبية و ثقافية تتضح في كثير مما ورد في ثنايا الكتاب من الأشعار التي توثق الاتصال الأدبي بين هذه القبائل، وترصد أوجه التشابه والاختلاف والموافقة والمعارضة.

والكتاب جهد فردي منه -رحمه الله- تكفل بطباعته ونشره من خلال داره التي أسسها في مكة المكرمة، وله كتب أخرى اجتهد فيها جمعًا وتدوينًا استحق بها لقب (علّامة الحجاز). وكتابه (الأدب الشعبي) دُرّة كتبه؛ لما فيه من فنون شعبية كثيرة منها ما هو موجود اليوم ومنها ما تلاشى واندثر، فنجد هناك تأصيلًا لفن القلطة المعروف اليوم في باب "المبادع"، وهي "مساجلات شعرية حضورية يبدأ القوم في صفين متقابلين فيبدأ أحد الشاعرين فيقول بيتًا من الشعر، وكثيرًا ما يبدأ هذا النوع بالسلام…وغالبًا ما يكون المبادع الحضوري مثنيات" (البلادي،1402هـ،41) ويصف بقية مظاهر هذا الفن كأنه يصف فن المحاورة المعروف اليوم، ولايقتصر على هذا الفن بل يحاول تعريف كل فن من الفنون الحجازية وإيراد أمثلة لها، كفن الزومالة والعرضة -وهي هنا ليست كالعرضة الجنوبية أو العرضة النجدية- بل يصاحبها استعراض ورمي بالبنادق، وفن الكسرة والمجالسي وغيرها. ومن الفنون المندثرة التي أوردها في كتابه فن الهوبلة ويعرفها بأنها "أقوال بسيطة قصيرة تشبه الرجز" تسمع عند الميراد وجذب الدلاء وتبدأ بقولهم "ياهوبلي يا هوبلي" تردفها كلمات مثل "ياهل الذود العطون… وين أهلكم ينزلون" (البلادي،1405هـ،57)،وهي على وزن "فاعلاتن فاعلن".

ولا يختص الكتاب بالفنون الشعرية بل يتوسع لذكر البلدان والديار والقبائل و كثيرًا ما يورد الطرائف ويعلق عليها برأي يكشف وعيه العميق بأهمية هذا التراث الثقافي الذي قد تصاحبه الأساطير والقصص الخيالية، ويقف عندها موقف الوصف ويذكرها بأمانة علمية ولا ينفي السلبي منها بل يوردها ويعلق عليها، ومما يكشف هذه الأمانة العلمية في النقل والتوثيق عنده؛ ما يرويه في باب الكسرة عن بيت سمعه صغيرًا من إحدى جاراته في مكة، قالته بعدما نظر إليها رجل في حي جرول بمكة وأطال حتى تعثر وسقط، فسمعها مرة تقول:

الجرْولي طاح في القُبّه… زاغت عيونه على البيهات

ونسي البيت الثاني فاتصل بها البلادي فأنكرت ثم طلبت ألا يذكر شيئًا عنها ويعلق "فهل على المرأة عيب في قول الشعر؟"(البلادي،1405هـ،56)

ثم يتوسع البلادي لسرد الأغراض الشعرية دون تحديد الفن؛ فيروي من باب الحماسات والغزل والهجاء والحنين إلى الوطن وغيرها من الأعراض. ولم يقف الكتاب عند الشعر بل شمل النثر كالقصة الشعبية؛ إذ يورد لها نماذج كقصص الجان وقصص الأطفال، ويفرد فصلًا عن الأساطير الشعبية كالسعالي والاحتفالات، وهنا يعلق كثيرًا على هذه الاحتفالات خصوصًا تلك البدعية كنصف شعبان أو عيد المعراج والمولد، ويرصد في فصل آخر العادات الاجتماعية في الحجاز كعادات الضيافة والتواصل مع المرأة والمجالس.

ويفرد فصلًا خاصًا للفنون وللألعاب الغنائية التي اشتهرت في الحجاز؛ كالخبيتي والمزمار وترانيم هدهدة الأطفال، وآخر عن الأطعمة عند الحاضرة والبادية التي اندثر بعضها كالسخينة والسويق.

كما يفرد فصلًا عن التقاضي والأحكام العرفية في البادية، والدولية في المدن، وأصناف هذا التقاضي من أحوال شخصية أو مبايعات أو مصالحة بين قبائل متباغضة.

كما يفرد فصلًا عن الطب الشعبي والأمراض وأوصافها وكيفية علاجها قديمًا سواء الطب البشري أو البيطري، وفصلًا عن النجوم والمواسم الفلكية ومسمياتها وأوصافها، وفصلًا عن اللهجات في الحجاز موردًا مفردات بترتيب حروف المعجم مفسرة وظواهر لهجية لنطق بعض الأحرف وأحوالها من إبدال أو إعلال أو حذف أو قلب.

وقد أتم كتابه -رحمه الله- عام ١٣٩٦هـ، وله عدة طبعات، واعتمدت في هذا التقرير على الطبعة الثانية الصادرة عام ١٤٠٢هجرية عن دار مكة التي كان يملكها جزاه الله خيرًا و رحمه الله رحمة واسعة وجميع موتى المسلمين والمسلمات.


*سعد بن أحمد بن عيضه المطرفي الهذلي، باحث دكتوراه مهتم بالبلاغة وتوثيق التراث الشعبي، له مشاركات في المجالين البحثي والإبداعي


أحدث منشورات

مقدّمة عدد "الأدب الشعبي"

تتأصّل في المجتمعات الإنسانية الثقافة الشعبية التي تعبق في تفاصيلها بكل ما يحمله المجتمع من موروثات ومعتقدات وعادات يعبر عنها الإنسان شعوريًا أو لا شعوريًا، في منطوق شفهي في أوليّته وممارسة حياتية لا

Comments


bottom of page