top of page
  • سياق

العالم المكتوب: قوّة القصص في تشكيل الشعوب والتاريخ والحضارة

للبروفسور الأمريكي: مارتن بوكنر

أستاذ اللغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة هارفارد

مراجعة: د. غزال بنت محمد الحربي


يكثر الجدل حول تأثير الأدب في حياة الناس وتتكرر التساؤلات حول أهمية قراءة الأدب، ولماذا يقرأ الناس الأدب، لكنّ مارتن بوكنر يتجاوز كل هذه المقدمات النظريّة ليتعمّق في فهم الدور الذي لعبه الأدب في حياة الشعوب بدءًا من الملاحم الأدبية الأولى التي وثّقت شرارة الإبداع الإنساني وصولًا إلى الدور الاجتماعي والسياسي الذي لعبه الأدب في عصور الاستعمار وما بعد الاستعمار.


متى عرف الإنسان الأدب؟ وكيف صاغ إبداعه؟ ولماذا لجأ إليه؟ ومتى كُتب الأدب، وماذا حصل في العالم بعد اختراع الكتابة؟ ولماذا قاوم المفكر الكلاسيكي الكتابة وأعرض عنها؟ وكيف تنوّعت أجناس الأدب وتعددت أشكاله؟ كل هذه التساؤلات وغيرها يتناولها البروفسور مارتن بوكنر في كتابٍ يسردُ فيه قصّة تاريخ الأدب وعالميته ومكانته في الفكر الإنساني. يتألف الكتاب من ستة عشر فصلًا تحتلُّ ما يقارب الـ 412 صفحة. نُشر الكتاب باللغة الإنجليزية في عام 2017 في أمريكا عن دار نشر "راندوم هاوس"، وتلقّت الأوساط الأكاديمية الغربية الكتاب بشكل واسع، كما احتفت به الصحف الأجنبية، وكتبت عنه أعداد من المقالات، وقد تُرجم مؤخرًا إلى اللغة العربية عن دار نشر أثر السعودية تحت عنوان: العالم المكتوب: تأثير القصص في تشكيل البشر والتاريخ والحضارة. وتستند هذه المراجعة في الأساس على النسخة الأصلية الإنجليزية للكتاب، وستركز على الفرضية الأساسية التي انطلق منها بوكنر وهي قوة حضور الأدب في الثقافات البشرية وتأثيره العميق في الفكر الإنساني وازدهاره وتنوّع أجناسه باختراع الكتابة والطباعة.


يبدأ بوكنر الكتاب بتساءل عن إمكانية تخيّل العالم بدون الأدب، ويرى أن الأدب قد وسّع من قدرتنا على استيعاب العالم من خلال الخيال وساهم في تشكيل رؤيتنا للعالم في الماضي والمستقبل. ويضيف بأن تصوّرنا عن العالم سيكون مختلفًا عمّا نحن عليه اليوم في حال لم تُحكَ القصص ولم تُدون الحكايات. يؤكد بوكنر في هذا السياق على أن استيعابنا لتاريخ الأمم والحضارات ونهوض بعض الشعوب وسقوط شعوب وإمبراطوريات أخرى يتشكّل من خلال المرويات والإرث الأدبي الذي وصل إلينا بالكتابة. ومن هذا المنطلق يربط بوكنر تاريخ الأدب بتاريخ الكتابة؛ لذا نجد أن الكتاب يستند في الأساس على تاريخ الكتابة ونشأتها بدءًا من اختراع الأبجدية وانتهاءً باختراع الورق ثم الطباعة. فحين اُخترعت الأبجدية في الشرق الأوسط واليونان زادت معدلات المعرفة بالقراءة والكتابة، وبرز عدد من النُسّاخ ممن أتقنوا الكتابة ودوّنوا أهم المرويات الأدبية. ثم ظهرت صناعة الورق في الصين وأخذها العرب عن الصينيين ووثقوا علومهم وترجماتهم وأدبهم، وحققوا بذلك نهضة كبيرة، الأمر الذي خفّّض من تكلفة الأدب ووسّع انتشاره وغيّر من طبيعته. جاءت بعد ذلك ثورة الطباعة التي بدأت في الشرق ثم ازدهرت بعد مئات السنين في شمال أوروبا لتوسّع من نطاق الكتابة الأدبية، وتفتح للأدب نافذة إلى العالمية. يتناول بوكنر في كل فصل من فصول الكتاب مرحلة من المراحل التاريخية لنشأة الكتابة، ويوثّق بالصور وبالسرد الزمني موقع الأدب والمدونات الفكرية الأساسية في كل مرحلة؛ ففي الفصل الثالث من الكتاب يتناول المرحلة الأولى للكتابة التي سيطرت فيها مجموعات صغيرة من النُّساخ على النصوص المجموعة من رواة القصص، مثل نصوص ملحمة جلجامش، والكتاب المقدس، والإلياذة والأوديسة لهوميروس، حيث عُدت هذه النصوص نصوصًا تأسيسيّة أوليّة، وحظيت باهتمام كبير وعناية حصريّة من قبل مجموعات دينية استحوذت على صلاحية تأويل هذه النصوص، وحدّت من انتشارها بين عامة الناس.


ثم ينتقل بوكنر إلى الحديث عن المرحلة الثانية للكتابة مستندًا على طبيعة نمو وتأثير هذه النصوص التأسيسيّة في بعض المعلمين الكاريزماتيين مثل بوذا وسقراط ويسوع ممن قاوموا الكتابة رغم ظهورها في عصورهم، الأمر الذي قاد أتباعهم وتلاميذهم إلى تطوير أسلوبٍ جديدٍ في الكتابة يحاكي طريقة أساتذتهم في الحوار والحجاج. أسّس هؤلاء المعلمون طريقة جديدة للتفكير والنقاش وتوضيح أسلوب الحياة الجيّدة للإنسان، لكنهم رفضوا الكتابة، وفضّلوا التفاعل المباشر مع المستمعين خاصة سقراط الذي وضّح أسباب رفضه للكتابة بأن الكتابة قد تؤدي إلى سوء الفهم، ولا يتمكن المرء معها إلى الاستدراك وتوضيح مقصده، ولا يمكن معها طرح النقاش والأسئلة بين الكاتب والقارئ بشكل فعّال. كما أن الكتابة -وفقًا لسقراط- تحفظ لنا الذاكرة، وتحول دون طلاقة الأفكار وأصالتها وتدفقها، وقد ظل هؤلاء المعلمون الأوائل على هذا الحال حتى وفاتهم، ثم جاء تلاميذهم وكتبوا أفكارهم على الطريقة التي كانوا يُدرِّسونهم فيها؛ ليحاكي المكتوب الواقع الفعلي لعملية التدريس والنقاش، وهذا ما فعله أفلاطون حين كتب كتابا يحاكي أسلوب أستاذه سقراط.


ومن هنا تشكّلت المرحلة الثالثة من تاريخ الأدب والكتابة ببروز المؤلفين الأفراد المدعومين بالابتكارات الجديدة التي سهلت عمليّة الكتابة. ففي حين كان هؤلاء المؤلفون يقلدون النصوص القديمة لأول مرة، فإن النصوص الأكثر جرأة سرعان ما ابتكرت أنواعًا جديدة من الأدب، وتحديدًا الروايات الكلاسيكية مثل ليدي موراساكي شيكيبو في اليابان التي كتبت أول رواية في التاريخ الإنساني، وهي رواية: حكاية جينجي (The Tale of Genji)، وميغيل دي سرفانتس في إسبانيا الذي كتب رواية دون كيشوت (Don Quixote) . وفي المرحلة الرابعة أدى الاستخدام الواسع للورق والمطبوعات إلى غزارة الإنتاج الفكري ومحو الأمية الجماهيري، ونشأت الصحف والمنشورات، وبرزت نتيجة لذلك أشكال سردية جديدة من الأدب والفكر، كالسيرة الذاتية لبنهامين فرانكلين والبيان الشيوعي.


وبعد أن عرض بوكنر كل هذه البدايات المهمة لنشأة الكتابة ونمو الأدب، انتقل إلى تناول مفهوم الأدب العالمي ونشأته مع الأديب الألماني غوته في القرن التاسع عشر، ووضّح الدور الجديد الذي لعبه الأدب في مقاومة العولمة والاستعمار وتوثيق الرأي الفردي الذي يتجسّد به الرأي الجماعي لأحداث الأمم والشعوب وحالات الاستعمار الجديد لبعض شعوب الشرق.

يخلص بوكنر إلى أن كل هذه التقنيات الجديدة في الكتابة والأحداث التاريخية والسياسية والتغيرات الاجتماعية قد حولت الأدب تحولًا جذريًا. فالأدب جزء مهم في حياة الشعوب والحضارات الإنسانية التي كانت تنهض وينهض معها الفكر في سياق مواز وأحيانًا في سياق متداخل؛ حيث يشير بوكنر إلى أن إسكندر الأكبر تأثر تأثرًا كبيرًا بملحمة الإلياذة لهوميروس، وكانت هذه الملحمة ملازمة له في حملاته العسكريّة التوسعيّة في بلاد الصين وفارس، ويرى أن الإسكندر قد أعاد تمثيل ملحمة الإلياذة على أرض الواقع وحقق انتصارات كبيرة. وهكذا، وسّعت الإلياذة إذن خيال إسكندر الأكبر وجعلته يربط الماضي بالمستقبل ويجعل من النص الأدبي دستورًا لتحقيق ملحمة نضال موازية، ولهذا فإن للأدب قصّة وحياة فاعلة ومؤثرة في المحيط الذي نشأ وتطوّر فيه.


على الرغم من أن هذا الكتاب قد استند على قصّة نشأة الكتابة، وناقش نصوصًا أدبية وأخرى غير أدبية في سياق التأصيل للفكر الإنساني عمومًا، إلا إنه قيّمٌ في مادته المعرفيّة، ويؤسس لرؤية شمولية عن قصة الأدب مع بداية اختراع الكتابة وتأثيره في الشعوب والحضارات. كما أنه يثير التساؤل لا عن تاريخ نشأة الأدب في قُطب محدد من العالم فحسب، وإنما -أيضًا- عن مدى تأثير الأدب وقوته في تشكيل المخيّلة الإبداعية والفكرية لدى ثقافة محددة من هذا العالم، ويحفز على التعرّف على أسلوب تفاعل الشعوب مع آدابهم وتفاعل آداب الشعوب مع ابتكاراتهم التقنية والفكرية والاجتماعية.


*أستاذ مساعد في قسم العلوم الإنسانية والإدارية في كلية الدراسات التطبيقية في جامعة الملك سعود. باحثة في الأدب العربي والدراسات الثقافية ومهتمة بتأثير الأدب في تعزيز هوية الشعوب وتجسير الثقافات بينها.


 

هيئة التحرير

رئيس التحرير

د. إبراهيم الفريح

مديرة التحرير

أ. سمر المزيد

أعضاء هيئة التحرير

د. إبراهيم المرحبي | د. رانية العرضاوي | د. سماهر الضامن | أ. علي المجنوني

الهيئة الاستشارية

أ. د. سعد البازعي |  د. هيفاء الفيصل | د. حاتم الزهراني | د. أحمد العطوي 

تصميم ودعم تقني

أ. إبراهيم الثاني


للتواصل والمساهمة في النشرة

syaq@scl.sa

١١٣ مشاهدة

أحدث منشورات

كلمة هيئة التحرير: الأدب العالمي

يأتي هذا العدد متزامنًا مع حدثين عالميين مهمين هما: ختام كأس العالم 2022، واليوم العالمي للغة العربية في يوم 18 ديسمبر، فأمّا الحدث الأول فقد أثبتت فيه البشرية بنجاح مدى قدرتها على التآلف الإنساني وال

Comments


bottom of page