top of page
  • سياق

الرحلات الميدانية، وارتياد المجالس ودورهما في تدوين الأدب الشعبي في المملكة العربية السعودية

د. سمير الضامر*


ظل الأدب الشعبي في الجزيرة العربية -لقرون طويلة- مصدرًا من مصادر الثقافة والذوق وسماع جماليات الفنون الشعرية والسردية، وكان هذا الأدب -أيضًا- مصدرًا من مصادر التلقي وتأسيس المعرفة الاجتماعية والعادات والتقاليد من خلال النصوص الشفهية باللهجات العامية لدى الآباء والأجداد عبر تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث. وندر أن يخلو مجلس من مجالس الحاضرة أو البادية من وجود الرواة الذين يروون الشعر والحكايات و"السواليف"، بل عُدَّ المجلس في تلك الأزمنة الفائتة المنصة الرسمية للأدب الشعبي، سواء أكان ذلك المجلس تحت سقف البيوت أم الخيام أم تحت ظلال الأشجار، أم في مجالس الأماكن المفتوحة، كالأسواق والمنتديات الكثيرة التي يرتادها الناس، كما أصبحت روايات تلك المجالس فيما بعد مصدرًا مهمًّا للباحثين والمدوّنين الذين سجّلوا الأدب الشعبي من أفواه الرواة مباشرة.

حدّثني جدّي عبد الله بن صالح الفرحان -رحمه الله- فقال: "زارنا في ليلة من الليالي الشاعر محمد الدرازي أبوبندر، وظلَّ يحكي وينشد الشعر من بعد صلاة العشاء حتى وقت متأخر من الليل، ولم نشعر بمرور الوقت من جمال حديثه ولذّة ما يرويه من كلام وشعر" (1)

هذه المروية التي دوّنتها عن جدّي كانت حافزًا لأبحث في مصادر كثيرة لدى روّاد تدوين الأدب الشعبي، وحقًّا فقد وجدتُ أنَّ المجالس كانت هي المحاضن الكبرى في عملية إرسال الأدب وتلقيه، ووجدتُ ذلك لدى عدد كبير من الروّاد، وقد سجّلوا ذلك وأشاروا إليه.

وقد رصدتُ في الكتاب الذي أعددتُه عن تجربة تدوين الأدب الشعبي لدى جيل الروّاد في المملكة العربية السعودية عددًا من التجارب والروايات التي ذكرها المدونون والمؤرخون في طريقة تدوين الأدب، وكان للقاء المباشر لـ(المجتمعات المحلية) -وتحديدًا مجتمعات البادية وملتقيات القبائل العربية- الدور الأكبر في عملية الرصد والحصر والتدوين، وقبل أن نحلّل هذه المنهجية العلمية ونذكر سماتها وخصائصها، لا بُد من ذكر بعض المرويات التي أوردها أولئك المدونون ونلتمس منها التجربة وعظيم الأثر في تأسيس مناهج التوثيق والبحث الميداني للروايات الشفهية لأدب الجزيرة العربية.


محمد بن عبد الله بن بليهد (1892-1957)

يعدّ الأديب والشاعر والرحالة والمؤرخ الشيخ محمد بن عبد الله بن بليهد الرائد الأقدم والأول في تدوين الأدب الشعبي في المملكة العربية السعودية، وظلَّ اسمه بعيدًا عن المشهد الثقافي -خاصة لدى الجيل المعاصر- وذلك بسبب البُعد في الزمن التاريخي، ولوجود باحثين آخرين ممّن يعدّون من جيل أولاده أو أحفاده، وهم الذين استفادوا من الصحافة وبرامج التلفزيون، بينما الشيخ ابن بليهد لم يسعفه زمنه بشيء من هذا. وفي سياق حديثه عن تجربته في التدوين ذكر في أكثر من موطن من كتابه: (صحيح الأخبار عمَّا في بلاد العرب من الآثار) دور اللقاءات مع رجالات البادية والرواة والمجالس التي يرتادها منذ أن كان صغيرًا حينما كان مرافقًا لعمّه الشيخ عبد العزيز البليهد، فاكتسب ملَكة التلقي لتلك النصوص والروايات الشفهية الكثيرة، يقول: "كنت في صغري مشغوفًا بحب الأعراب، والاختلاط بهم، وسماع حديثهم وحضور نواديهم، والتعرف برؤسائهم واستماع أشعارهم، ومعرفتي لفرسانهم، وهذي لُمع من أخبار بعض فرسانهم، وإليك ما حدثني به راشد المقاطي قال: ..." (2)


منديل بن فهيد بن منديل الأسعدي (1919-2004)

يعد الأديب والشاعر منديل الفهيد من رواد التدوين للأدب الشعبي في المملكة العربية السعودية، وكانت رحلاته وأسفاره للبادية والقرى والمحافظات المختلفة على مستوى المملكة العربية السعودية هي التي أهلته ليجمع عددًا كبيرًا من نصوص الأدب الشعبي الشفهي، وقد أخرجها فيما بعد في سلسلة كتب في عشرة مجلدات جاءت بعنوان: (من آدابنا الشعبية في الجزيرة العربية)، إضافة إلى مئات الحلقات التي أعدّها وقدّمها في الإذاعة السعودية بتوجيه ودعم من الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- حينما كان أميرًا على منطقة الرياض. وقد ارتبط منديل الفهيد منذ صغره بمجتمعات البادية الذين كانوا يأتون إلى عين فهيد يتزودون بالماء، فكان يسمع منهم الشعر والروايات، ولذلك فقد كانت تجربته منذ الصغر السبب الرئيس في استمرارية تتبع المجتمعات الشفهية وتسجيل مروياتهم وآدابهم، وقد أثمرت تلك التجربة عن كتب مهمة مؤسسة منهج تدوين وتوثيق الأدب الشعبي.(3)


عبد الله بن رداس الحربي (1923-2015)

للأديب عبد الله بن رداس دور كبير في جمع وتدوين شعر المرأة في المملكة العربية السعودية، ودوّن ذلك في كتابه المهم: (شاعرات من البادية)، وقد جاء الكتاب في مجلدين. وكان لرحلاته وجولاته في أرجاء المملكة العربية السعودية دورها في اللقاء بالشعراء القدماء والشاعرات القديمات، فقد التقى بهن مباشرة وسجّل عنهم، واستغرق منه هذا الأمر عشر سنوات، وقال: "لو تأخرت خمس سنين لكان اندثر هذا الشعر عن بكرة أبيه"، ومن الشاعرات اللواتي دوّنَ شعرهنّ: بخوت المريه، وعليا الدلبحية، ومرسى العطاوية، وشلشا البقمية. كما أن له تجربة رسمية في مشروع توطين البادية وكان يرافقه فيها اثنان من أساتذة الأنثروبولوجيا في الوطن العربي هما: د. أحمد أبوزيد، و د. مصطفى الفلالي، وكانت تدور بينهم أحاديث حول أماكن الشعر الجاهلي ومسمّياتها في الشعر الجاهلي، وبقاء تلك المسمّيات حتى العصر الحديث. (4)


محمد بن عمر بن عقيل؛ المشهور بأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، المولود في عام 1938م

أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري له دوره الذي لا يُستهان به في دراسات الأدب الشعبي، وتعدّ لقاءاته -منذ عمره المبكّر- مع الشعراء والرواة ورجالات البادية ذات أثر مهم في دراساته عن التاريخ والأدب الشعبي في المملكة العربية السعودية، إذ كان منذ شبابه أثناء حياته في شقراء: "يدعو رجالًا من البادية الذين يفدون إلى مسه وضريه ومن أقاليم البادية أو غيرهم لرواية الأدب الشعبي." (5)

لقد سجّل أبو عبد الرحمن طرفًا من تجربته في تدوين الروايات الشفهية في كتابه: (تاريخ نجد في عصور العامية)؛ وقد قال أبو عبد الرحمن: "لقد اتصلت ببادية الحويطات وجهينة وبلي في ريف مصر، وبعضهم من الصعيد فوجدتهم يحفظون الشعر العامي النجدي ويروونه وينظمون وقفه، وهكذا اتصلت بالعُمانيين في مسقط ونزوى فوجدتهم كأشقائهم في ريف مصر." (6)


إنّ النماذج السابقة تعطينا إشارة واضحة إلى أصالة نظرية التلقي في الأدب الشعبي وعمقها، وإلى الدور الاجتماعي والأنثروبولوجي في تأسيس حركة إرسال النصوص الشفهية واستقبالها بشكل طبيعي لا تكلّف فيه، وهذا يعزّز -منهجيًا- دور الروّاد الأوائل في المملكة العربية السعودية في مجالات التوثيق والتدوين للأدب، ومن سمات هذا المنهج:

  1. التواصل مع المجتمعات المحلية ذات العلاقة بالآداب الشعبية.

  2. الرحلة والسفر للقاء الرواة وأخذ الروايات من مظانها الأصلية.

  3. الجلوس المباشر مع الرواة وسماع مروياتهم ومحفوظهم.

  4. التدوين في الكراسات والقصاصات والتسجيل الصوتي من خلال المتاح من أجهزة تسجيل الصوت آنذاك.

  5. النشر في الكتب المتخصصة ليعم انتشارها ونفعها على المستوى الثقافي العام، أو الأكاديمي الخاص.

  6. النشر في البرامج الإذاعية والتلفزيونية.

*باحث في الدراسات الثقافية، ومدير ثقافي.


الهوامش:

  1. الضامر، سمير. كتاب احزاية. ج2/195. مركز الأدب العربي. ط/1. 1442هـ.

  2. ابن بليهد، محمد بن عبد الله. صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار. ج5/272. ط/3. 1418هـ.

  3. الفهيد، منديل. تراجع سلسلة كتبه "من آدابنا الشعبية في الجزيرة العربية".

  4. إفادة شفهية من الأديب: عبد الله بن رداس لبرنامج الوجه الآخر. قناة الصحراء الفضائية. إعداد وتقديم: سعد الثنيان.

  5. إفادة شفهية من الأديب محمد بن عمر العقيل لبرنامج صفحات من حياتي. قناة المجد الفضائية. إعداد وتقديم: د. فهد السنيدي.

  6. الظاهري، أبو عبد الرحمن بن عقيل. تاريخ نجد في عصور العامية ج1/30 دار العلوم للطباعة والنشر 1402هـ 1982م.

أحدث منشورات

مقدّمة عدد "الأدب الشعبي"

تتأصّل في المجتمعات الإنسانية الثقافة الشعبية التي تعبق في تفاصيلها بكل ما يحمله المجتمع من موروثات ومعتقدات وعادات يعبر عنها الإنسان شعوريًا أو لا شعوريًا، في منطوق شفهي في أوليّته وممارسة حياتية لا

Comments


bottom of page