top of page
  • سياق

صدى: مراجعة كتاب "في طفولتي: دراسة في السيرة الذاتية العربية"



د.رانية محمد شريف العرضاوي*


رووكي، تيتز. في طفولتي: دراسة في السيرة الذاتية العربية، ت. طلعت الشايب، مراجعة وتقديم. رمضان بسطاويسي، ط1، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002


يطرح هذا الكتاب بين يدي قارئه في ترجمته العربية عن الإنجليزية؛ إذ هو في أصل وضعه أطروحة دكتوراة للسويدي تيتز رووكي Tetz Rooke، وعنوانه In my childhood (Astudy of Arabic Autobiography)، وقد قدّمه لقسم اللغة العربية بمعهد اللغات الشرقية بجامعة ستوكهولم عام 1997. وقد يتراءى للقارئ تساؤل عن سبب اختياره للترجمة ضمن المشروع القومي للترجمة بمصر بإشراف د. جابر عصفور آنذاك. ولربما الجواب المتوقع هو ما لهذا الكتاب من أهمية كبيرة في أدب السيرة الذاتية. وربما تنجح هذه المراجعة في تجلية شيء من هذه الأهمية.

إذ يقع الكتاب في 436 صفحة، وجاء بناؤه على عشرة فصول، تلتها الملاحق وثبت المراجع. وتميزت النسخة العربية منه بتقديم ومراجعة مهمة جدًا عن أدب السيرة الذاتية بين العالمين الغربي والعربي، مع ملخص وافٍ عن الكتاب وأهميته، وجانب تحليلي نقدي لمحتوياته، وكان ذلك بقلم رمضان بسطاويسي محمد.

وأما فصول الكتاب؛ فقد اُفتتحت بتقديم المؤلف لمنهجية الكتاب والدراسات السابقة عليه في ذات الموضوع. وأثار الفصل مجموعة من الأسئلة حول أهمية الطفولة في أدب السيرة الذاتية، والدور الذي تلعبه هذه المرحلة من حياة الإنسان في تكوين وجوده وتحديد ملامحه الشخصية. ولامس المؤلف جدلية علاقة الزمن السيري ذاتي بزمن الطفولة من جهة، وعلاقة زمن الطفولة بالكشفية الحكائية والمتخيل الزمني والمكاني في السيرة الذاتية من جهة أخرى. كما طرح رؤى وتفسيرات وإشارات عميقة حول الطفولة بعدّها الزمن المتسرب من حقيقة الواقع إلى رحابة الوجود المتخيَّل، وتشكّل التجربة الإنسانية لهذه المرحلة في سياق النص الأدبي. هذا التشكّل المفضي إلى إعادة تقييم "الجمالية" بعَقْدٍ يطوي المسافة الزمنية والمكانية عبر وسيطين مهمين هما "الكلمة والصورة". وهو ما يجعل الطفولة أداة حفرية تحرك رواكد الجذور الثقافية، وفرشاة ترسم ملامح الهوية للذات الساردة، بل وعينًا فاحصة للظواهر الاجتماعية التكوينية للذات. ما يعني أن هنالك تكوين "طفولي" لرؤية الذات للعالم، هذا التكوين الذي يبرز على السطح التساؤلات والتأملات الطفولية الفلسفية، بعدّها حالة الدهشة الصانعة لمعترك الإبداع، الحُرّة من قيد الرُّشد المنوط بالقيد المجتمعي. ومن ثم، يغوص الكاتب في مفهوم "عَقد السيرة الذاتية" ليكون النص عنده تجربة حية، تتكون من اتحاد حاصل بين الذات "الساردة" والذات "المحكية"، وهو ما يشي بوجود المشترك الإنساني الحياتي في السيرة الذاتية "الطفولية"؛ هذا المشترك الذي يمتد بالإنسانية عبر حقول المعرفة المتعددة كالفلسفة والسياسة وعلوم النفس والاجتماع والثقافة عامة. ويطرح المؤلف هنا ما اعتمده في عينة التحليل، إذ تناول عشرين نصًا عربيًا في السيرة الذاتية، وغطّى بهذه النصوص خمسة أقطار: مصر وفلسطين وسوريا ولبنان والمغرب، من الفترة 1929 وحتى 1988، مبتدأ هذه النصوص بـ "الأيام" لطه حسين.

وأما الفصل الثاني؛ فقد تناول فيه الكاتب تعريف السيرة الذاتية بمعنيين: معنى عام، ويقصد به التعبير عن الذات في شكل أدبي، ومعنى خاص جعله في أنها نوع أدبي يعبّر عن الأدب الشخصي بسمات محددة تتبع الخريطة الغربية، وهو فن له سمات منها: موضوع النص، والبناء السردي، والأسلوب، والشخصيات وأصوات الحكي. ويعلن في هذا الفصل استخدامه لما سمّاه بـــ "نظرية القراءة الأدبية"، إذ تعامل مع النصوص المختارة على أنها "مؤسسات اجتماعية" تنضحُ بنتاج المعرفة والأعراف والثقافة وغير ذلك من خلال تحليله لتلك النصوص.

وجاء الفصل الثالث ليناقش علاقة السيرة الذاتية بالرواية، خاصة مع وجود سير ذاتية تفرّع بعنوان "رواية"، لتكون مطروحة للقراءة بوجهيها: الروائي والسيري ذاتي. وهو ما يعني أن القارئ في حالة فحص ومعاينة لرحابة الأسلوب الأدبي والفضاء السردي الذي سيوجهه إليه الكاتب، حال استعماله لأساليب الرواية وأساليب السيرة الذاتية، مع بقاء جدلية الصدق بينهما.

وأما الفصل الرابع؛ فقد حوى طرحًا عن تاريخ تطور السيرة الذاتية العربية، وعرض فيه البداية التي اعتبرها في وجود "السيرة الغيرية" عند العرب حتى ظهور نص "سلامة موسى" الموسوم بـــ "تربية سلامة موسى"، وعدّ ما قبله مذكرات تختلف عن السيرة الذاتية.

وفي الفصل الخامس تناول الكاتب ما اعتبره "استمرارية النماذج" في كتابة السيرة الذاتية العربية وبروز الترجمة الشخصية وما كسر جمود النموذج التراثي "الغيري" من وجهة نظره.

وحوى الفصل السادس حديثًا طويلًا عن صور الطفولة في السيرة الذاتية العربية، وركز فيه على تغييب مرحلة المراهقة فيما كتب في السيرة الذاتية العربية قديمًا، وتجاهل حالة تفتّح الجسد، مع بقاء تساؤلات حول ملامح السيرة الذاتية "الطفولية" الخاصة، ودور الزمن في بنائها السردي وامتداد أثره في السيرة الكاملة.

أما الفصل السابع؛ فقد تناول فيه الكاتب ظاهرة التعدد الصوتي الحكائي لصورة الطفولة العربية، وأثر الرواية -بوصفها نوعًا أدبيًا- في تطور السيرة الذاتية وأساليبها الجمالية المتلاحقة مع البناء الروائي الجمالي. كما استعرض حركة البناء السردي والزمن المستطيل واللقطة في السيرة الذاتية لمرحلة الطفولة "المشهد".

وكان موضوع الفصل الثامن في الكتاب الطفولة المتخيَّلة والمكان، بعدّ المكان صورة لمؤسسة اجتماعية وثقافية، وأورد صورًا متعددة له منها الصورة النقدية، والصورة الرومانسية، وصورة الهوية، والبعد التاريخي والذاتي له.

ثم أفرد الفصل التاسع بموضوع "الفقر" وعدّه الدُرّة الثمينة للسيرة العربية للطفولة، وناقش علاقته بالصراع والطبقية والهامشية، وحال الفقر في نسق "الفضيلة".

وختم فصوله بالفصل العاشر الذي طرح فيه غاية وهدف السيرة الذاتية العربية للطفولة: الحُرّية، وجعل منها نواة للصراع مع تشكلات السُّلطة، ومثّلها في الأسرة الأبوية، وسُلطة المقدّس الأسري، والسجن الأسري. ما يجعل من السيرة الذاتية العربية للطفولة علاجًا مجتمعيًا تتحرر من الذات من هول "القسوة" في الأسرة العربية.

كل هذه الفصول بجدلياتها جاءت معتملة محراث التحليل، حافرة في النماذج المطروحة مستخرجة أمثلة متنوعة من السير العربية المختارة للتحليل والتأويل. وأتبع فصوله بملحق قدّم فيه وصفًا تفصيليًا للنصوص المختارة وأصحابها وأزمنتها.

وقد نجح الكاتب في تحريك دواة البحث تجاه فن السيرة العربية بذكاء، عندما سلّط قلمه على مرحلة الطفولة تحديدًا، لكن حبره لم يسعفه في الاستمرار ليغطي مرحلة الازدهار الكتابي لهذا الفن في الأدب العربي، إضافة إلى تجاهله الجذور التراثية لهذا الفن وأثرها القوي، خاصة في السيرة النبوية. أيضًا، بشيء من الفحص، تفوح من الكتاب رائحة الفوقية العِرقية في تقديم الكاتب للعقل الغربي بصورة سافرة، والجزم تحيزًا بأن العقل العربي استورد هذا الفن لكنه لم يستطع حمل سمات العقل الغربي معه، إيمانًا منه بأن وجود هذا الفن هو وجود غربي بحت لا أصول عربية فيه، وهذا ما يخالف حقيقة تجذر فن السيرة الذاتية في التراث العربي، كما جاء في السيرة النبوية وكتابات ابن سينا وكتابة أسامة بن منقذ. لكنه في الوقت ذاته، أحسن في تعامله مع النصوص العربية المختارة بصفتها بُنى أدبية، وليس وثائق تاريخية، أو سجلات لتقصي الحقائق، وهو ما جعله يتمسك بصفة الجمالية في النص العربي. كما ضجّ الكتاب بصورة لافتة بمجموعة من المصطلحات المهمة في هذا المجال، مفرّقًا بين مفاهيم متشابكة؛ مثل السيرة الذاتية وسيرة الحياة والترجمة الذاتية والمذكرات واليوميات وغير ذلك. وأحسن الشايب -مترجم الكتاب- نقل هذا المصطلحات ترجمة وتعريبًا واقتراحًا واجتهادًا، بما عاد على المدونة الاصطلاحية النقدية العربية بالإثراء.

إنّ هذا الكتاب هو واحد من الكتب المؤسسة في دراسة السيرة الذاتية؛ لا سيما وأنها دراسة لأهم مرحلة تكوينية للذات -مرحلة الطفولة-، وفيه التفاتات قيّمة للظواهر المتكررة في السيرة الذاتية العربية، مع اتخاذه من التحليل والبرهان وسيلة قوية بمنهج قرائي واضح، تشمّ فيه عبق الدرس المقارن بين المجتمعين الغربي والعربي، وموقف الذات العربية من كل المتغيرات الحياتية الطارئة في العصر الحديث، ومحاولة انفكاكها من الهيمنة الأصولية لشكل الحياة بعالميها الخارجي والداخلي، وانخراطها في الصراع الاستهلاكي للتراث ورمزيته، وضبابية التواصل الإنساني "أنا، نحن، هم، هو" أمام صيحة المادة والجسد.


*دكتوراه فلسفة النقد والأدب العربي من جامعة Durham.U.k، وأستاذ النقد والأدب المُشارك، وباحثة في قضايا الفكر والإبداع والفلسفة.






Комментарии


bottom of page